رئيسي قرآنت الفصل الأول كيف نواسي من فقد عزيزا؟
كيف نواسي من فقد عزيزا؟
الفصل الأول

"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (سورة الأنبياء الآية 35)

في أحد الأيام دخل مدير المدرسة إلى غرفة المستشارة التربوية وحكى لها بأنه يلاحظ في الآونة الأخيرة بأنَّ معلمة اللغة العبرية في المدرسة لم تعد كما كانت وأن أداءها وعطاءها ليسا كالعادة بل ليسا كما ينبغي. حيث يظهر الأسى على وجها وأنها فقدت الكثير من حماسها ونشاطها وحيويتها، ثم طلب من المستشارة التربوية أن تفحص الموضوع وتطلعه على ما تتوصل إليه.

استدعت المستشارة التربوية معلمة اللغة العبرية وأخذت تتحدث معها عن التحوّل الكبير في نشاطها وعطائها وتصرفاتها في الفترة الأخيرة. قالت المستشارة التربوية: " في بداية السنة كان بارزا حماسك ونشاطك وعطاؤك وما بذلتِ من جهود جبارة في مساعدة الطلاب حيث أقمت لهم الدورات وقدمت لهم المساعدات في أوقات الفراغ وكنت شديدة الحماس في عطائك وعملك أما الآن فإنني أراك منهكة والحزن يخيم على محياك وقد اختفت الابتسامة من على شفتيك، فما الذي حصل؟".

قالت المعلمة للمستشارة التربوية بأنَّ صبيًّا من عائلتها الموسّعة والتي تعيش في قرية بعيدة قد أصيب بمرض لم يمهله طويلا انتقل على أثره إلى رحمة الله تعالى وأنها منذ ذلك اليوم أصيبت بصدمة عنيفة أفقدتها الرغبة والقدرة على القيام بأيّ عمل لا في البيت ولا في المدرسة أيضًا. "أنا واعية للتغيير الكبير الذي حصل عندي، والذي انعكس على تصرفاتي وعلى عملي في البيت وفي المدرسة وعلى حيويتي ونشاطي وعلى علاقاتي مع أقاربي وجيراني، ومع زميلاتي وزملائي في المدرسة، وكذلك مع طالباتي وطلابي، ولكني لا أملك السيطرة على ذلك، فأنا أشعر أنه لم يعد للحياة أي طعم". ردّت عليها  المستشارة التربوية بقولها: "أنا أعلم أن هذا صعب جدًّا، ولكني أعرف تمام المعرفة أنك امرأة  مؤمنة بالله عزّ وجل تؤدين واجباتك الدينية ومن مثلك تحفظ وتعي قول الله تعالى في سورة الأنبياء "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" والتي يقول فيها بأنَّ كل نفس لا بد لها من أن تذوق طعم الموت مهما عُمِّرَت في الحياة الدنيا وما وجودها في الحياة إلا ابتلاء بالتكاليف أمرًا ونَهيًا، وبتقلّب الأحوال خيرًا وشرًا ثم يكون المآل والمرجع إلى الله – وحده - للحساب والجزاء. وبناء على هذه الآية الكريمة من سورة الأنبياء فإنَّ  الله يختبرك ويختبر إيمانك وصبرك ومواجهتك لهذه المصيبة والله يريدك أن تصمدي وتثبتي أمام الشدائد وأن تكوني قوية وأن تكوني ممن قال فيهم: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" وإنّي أسأل الله أن تكوني من هؤلاء الصابرين الذين جزاؤهم عند ربهم عظيم". انفرجت بعض الشيء أسارير معلمة اللغة العبرية وقد بدأت تعود إليها حيويتها وهي تقول للمستشارة التربوية: "أنت على حق، يجب عليّ أن أتجاوز هذه الأزمة وان أتقبل من الله كل شيء فتلك إرادته ومشيئته.

التفسير النفسي: لا مثيل للقرآن الكريم في مواجهة مصائب الموت وغيرها من الابتلاءات والأزمات التي قد يعاني منها الإنسان المسلم. ومن منا تخلو حياته  من هذه المصائب والاختبارات؟ في تلك الساعات الحرجة التي يفقد فيها الإنسان أعز ما يملك لا يُصغي إلا إلى كلام الله عز وجل. وآيات القرآن الكريم وحدها هي القادرة على انتشال الفرد من أعماق مأساته وكآبته وحزنه وإعادته إلى الحياة. وها هو القرآن الكريم في هذه القصة يخاطب المعلمة بشكل مباشر ويقول لها كلنا سنموت وبالموت يختبر الله إيمانها ليرى كيف تتصرف هل تقبل وتسلم بقضاء الله وقدره وتصبر وتحتسب وتقول لا حول ولا قوة إلا بالله أم تراها تفشل في الاختبار. إذا كانت تلك هي إرادة الله ومشيئته فليس أمام المعلمة إلا أن تسلم بقضاء الله وحكمه وتتواسى لتحصل على جزاء الصابرين الذي لا يعلمه إلا الله. لقد أحسنت المستشارة التربوية التي استعملت هذه الآية الكريمة لكي تخرج المعلمة من صدمتها وحزنها وان تعيدها إلى الحياة والى نشاطها وحيويتها وإلى  طلابها وأهلها.