| ماذا نكتب على لافتة أسبوع جمع التبرعات؟ |
| الفصل الأول |
|
"وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (سورة التوبة، الآية 121) يتعلم أحمد في الصفّ السادس وهو طالب متفوّق. في الفترة الأخيرة طرأ تدهور كبير على تحصيله الدراسيّ. فقدَ أحمد تركيزه وتوقف عن القيام بواجباته المدرسية. حوّلت المستشارة التربوية أحمد لإجراء فحوصات طبيّة. فحص الطبيب أحمد وطلب منه القيام بسلسلة من الفحوصات، وقد تبيّن في نهايتها بأنه يعاني من ورم في الدماغ يؤثّر كثيرا على قدرته على الرؤية. أوصى الطبيب بأن يأخذ أحمد علاجا غاليا غير موجود في سلة العلاجات التي تقدمها صناديق المرضى بأسعار رمزية. بالإضافة إلى هذا العلاج أوصى الطبيب بأن يمر أحمد بسلسلة من المعالجات الكيماوية. أصيب والدا أحمد باكتئاب شديد إذ أنهما أناس بسطاء يعتاشان على راتب شهري ولا يملكان من المال ما يمكنهما من شراء العلاج أو القيام بالمعالجات الكيماوية الغالية. شعرت الأم أنها بلا حول ولا قوة فانفجرت بالبكاء. قررت المستشارة التربوية القيام بحملة لجمع التبرعات من أجل شراء العلاج لأحمد، ولكن أحمد رفض هذه الخطوة مُدّعيًّا بأنَّ أهله ليسوا مساكين وقال: "أنا أفضّل الموت على أن أمدّ يدي للآخرين، ماذا سيقول عني الأصدقاء، بأنني متسول؟ وا خجلاه!" عندما سمعت المستشارة التربوية هذه الادعاءات من أحمد تناولت من مكتبتها المصحف الشريف وفتحته على الآية رقم 121 من سورة التوبة وأخذت تتلوها على مسامع أحمد: "وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ". شرحت المستشارة التربوية هذه الآية الكريمة لأحمد بقولها: ولا ينفقون نفقة صغيرة أو كبيرة في سبيل الله ولا يقطعون واديا في سيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في جهاده إلا كُتب لهم أجر عملهم ليجزيهم الله أحسن ما يُجزَون به على أعمالهم الصالحة. عندها وافق أحمد على أن يقوم زملاؤه في الصف والمدرسة بحملة تستمر أسبوعا من أجل جمع التبرعات لشراء العلاج له ومتابعة معالجته. على لافتة حملة أسبوع جمع التبرعات كتبت الآية الكريمة "وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ". التفسير النفسي: في المجتمعات التقليدية عنصر الخجل هو عنصر قويّ لا مثيل له، والمجتمع التقليدي يختلف كثيرا عن المجتمع الحديث الذي فيه يعيش كل إنسان في منأى عن غيره ولا يكاد يهتمّ أو يعمل حسابا لما يقوله الناس عنه. أحمد يخجل كثيرا لأن عائلته لا تملك من المال ما يكفي لمعالجته ويخجل أيضًا من أن الناس سيُدعون إلى التبرع من أجل إنقاذ حياته. فهو يخشى على سبيل المثال أن يقول له أحدهم بأنه ما زال حيًّا بفضل تبرعه، ويخشى من أن يسيطر عليه الشعور بأنه مدين للجميع بحياته، كما تدور بخلده أفكار أخرى لا تقل خطورة عن هذه. جمع التبرعات له يمسّه في صميم كبريائه. فجأة أصبح بحاجة إلى المساعدة. وها هي المستشارة التربوية تأتي وفي جعبتها هذه الآية الكريمة التي يقول فيها عزّ وجلّ لأحمد وغيره من المسلمين المؤمنين بأنَّ مساعدة الغير هي أمر إلهي ورد في القرآن الكريم وأن الأشخاص الذين سيساعدون أحمد، الله هو الذي سيجزيهم على عملهم الطيب وليس أحمد هو الملزم برد هذا الجميل والله كفيل برده أضعافا مضاعفة وأنه لا مكان لتخوّف أحمد مما قد يقوله هذا أو ذاك. الآن أدرك أحمد أن المرض من الله وأن الشفاء من هذا المرض يأتيه أيضًا من عند الله. وبذلك يسهم القرآن الكريم وتسهم المستشارة التربوية التي استعانت بالقرآن من أجل إقناع أحمد بقبول المساعدة من الآخرين، فهم كلهم عائلة واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. |