رئيسي قرآنت الفصل الأول هل الولد بالتبني حكمه حكم الولد البيولوجي؟
هل الولد بالتبني حكمه حكم الولد البيولوجي؟
الفصل الأول

"وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (سورة الأنعام، الآية 152)

مريم طالبة في الصفّ الخامس وهي بنت نبيهة ومتفوقة. لاحظت مربية الصف أن مريم في الآونة الأخيرة تتأخر كثيرا في الصباح. وعندما تحضر تجلس صامتة وتخيم الكآبة على أسارير وجهها. كما لاحظت المعلمة أن علاماتها في تدنًّ مستمر. استدعت المربية مريم إلى محادثة. تعرف المربية أن مريم يتيمة وأن عمّها هو الذي يقوم على رعايتها. إلا أن مريم أضافت إلى معلومات المربية أمورا لم تعرفها من قبل. أخبرتها، مثلا، بأنَّ زوجة عمّها تتركها في البيت لتحرس ابنهما الصغير. كما تفرض عليها القيام بأعمال منزلية كثيرة لكي "تسدّد" ثمن الطعام الذي تأكله والملابس التي تلبسها وثمن رعايتهما لها. قالت مريم للمربية وقد ترقرقت غيناها بالدموع: "كان والدي رجل أعمال ميسور الحال وقد ترك وراءه مبلغا كبيرا من المال وبعد وفاة والديّ في حادث طرق تحوّلت كل أمواله إلى حساب عمي من أجل رعايتي والعناية بي. لقد اشترى عمي بأموال أبي منزلا جديدا والآن يقول: يكفي أنني أربيها في بيتي وأسمح لها بالعيش مع عائلتي".

استدعت المربية العم إلى محادثة معها. شرحت المربية للعم ما تشعر به مريم كم يجعلها ذلك حزينة وكم تسبب لها الأعمال المنزلية التي تكلَّف بها من تأخر عن الدوام في الصباح وكيف بدأت تتدنى علاماتها ويقلّ اجتهادها كما أنها بدأت تفقد الثقة بنفسها وبدأت تبتعد وتنزوي عن زملائها. "لا يحقّ لك أن تسيء معاملتها أو أن تتعامل معها وكأنها غريبة  في العائلة. وبالطبع لا يحقّ لك أن تحرمها من أيٍّ من حقوقها الأساسيّة. الأموال التي تركها والداها يجب أن يستغل لصالحها لاستكمال دراستها كي تكتسب مهنة تستطيع بها أن تعيل نفسها وعائلتها في المستقبل؛ وكلّ ذلك بناء على ما أمر به الله عز وجل وما جاء به القرآن الكريم وما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلّم"  قالت المربية هذه الكلمات وهي تفتح المصحف الشريف على الآية الكريمة رقم 152 من سورة الأنعام وتلت:"وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ". ثمّ أخذت تشرح له معنى الآية الكريمة قائلة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالحال التي تصلح بها أمواله وينتفع بها، حتى يصل إلى سنّ البلوغ ويصبح راشدا فإذا بلغ تلك السن فسلِّموا إليه ماله وأوفوا الكيل والوزن بالعدل الذي يكون به تمام الوفاء.

التفسير النفسي: يشجّع القرآن الكريم الوالدين اللذين بدآ القيام بواجب أو فريضة أن يتمموها. وهكذا فقد تبنت العائلة مريم، بنت الأخ، الذي توفي في حادث طرق، وهي بذلك تقوم بواجب رائع ومهمّ، إذ ماذا كانت ستفعل هذه الصغيرة بدون رعاية عمّها لها؟ فهي بنت صغيرة بحاجة إلى دفء البيت والى عطف الأب وحنان الأم. ولكن بما أن العائلة أخذت على عاتقها القيام بهذا الواجب المهم كان عليها أن تتصرف معها وتعاملها تماما مثل أحد أبنائها البيولوجيين. كما يجب عليها أن لا تسيء معاملتها وان لا تميّز بينها وبين أبنائها البيولوجيين بأي شكل من الأشكال. فكما يحرص الوالدان على تسليح أولادهما بالعلم والمعرفة والاهتمام بإكسابهم مهنة تضمن لهم مستقبلهم، عليهم بنفس الدرجة أن يهتموا بتعليم مريم ومساعدتها على اكتساب مهنة تعينها على مواجهة المستقبل. كانت مريم من جهة ما محظوظة لأن والدها ترك لها مالا كثيرا وهذا لا يحدث دائما وفي كل الحالات. إذ هناك حالات كثيرة لا يترك الوالدان فيها أية أموال بعد وفاتهما. وفي مثل هذه الحالات أيضًا يحتّم الواجب على العائلة المتبنِّية أن تتعامل مع الولد المتبنى وكأنه ابنها البيولوجي وأن  توفّر له كل حاجاته وأن لا تستغله. كان من المحبّذ لو أن المربية استدعت إلى نفس المحادثة زوجة العم أيضًا أو لو أنّها طلبت من العم نقل هذه الرسالة إليها أيضًا كي لا تظلم مريم أو تستغلها وأن تحوّلها إلى خادمة تحرس لها أولادها أو تقوم بدلا منها بالأعمال المنزلية. هذه الوصايا التي جاء بها القرآن الكريم هي القاعدة الأساسية لبناء مجتمع قوي ومتماسك لأن الولد المظلوم يكبر ليصبح أبا ظالما وعضوا سلبيا في المجتمع.