رئيسي قرآنت الفصل الأول كيف نواسي من حلّت به مصيبة؟
كيف نواسي من حلّت به مصيبة؟
الفصل الأول

"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" (سورة آل عمران، الآية 186)

رنين طالبة في الصف السادس، تحضر رنين إلى المدرسة صباح كل يوم بملابس جديدة وحذاء جديد ومحفظة مملوءة بالنقود. وهي بنت جميلة تعتني كثيرا بنفسها وتنظر إلى زميلاتها وزملائها في الصف بنظرة مليئة بالكبرياء والعجرفة، الأمر الذي دفعهم إلى الابتعاد عنها. في أحد الأيام دخلت المربية إلى الصف فوجدت رنين تجلس وحيدة حزينة جدًّا والطلاب من حولها يتهامسون ويتغامزون: "تستحقّ ما جرى لها! الآن ستشعر بما نشعر به".

المعلّمة: أطلب من جميع الطلاب الجلوس في أماكنهم والمحافظة على الهدوء. أرجو أن يحكي لي أحدكم ما الذي جرى.

أحمد: ألم تسمعي – يا معلمتي - بما حدث؟ دار رنين احترقت في الليلة الماضية ومعها احترقت حانوت العائلة وقد أكلت النيران كل ما في الدار وكل ما في الحانوت.

المعلمة: هل ما أسمعه صحيح يا رنين؟

رنين: نعم صحيح يا معلمتي (أجهشت رنين بالبكاء)

المعلمة: لا بأس، يا رنين، (تتجه المعلمة نحو رنين وتحتضنها مُواسية لها) مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث.

رنين:     ولكننا، يا معلمتي، أصبحنا الآن فقراء لا نملك شيئا إذ أنّ الدار والحانوت لم تكونا مؤمّنتين، لأنّ أبي نسي أن يجدّد التأمين في الموعد المحدد.

المعلمة: رنين، يجب عليك أن تكوني قويّة وشجاعة، صحيح أن المُصاب جَلَل ومؤلم جدًّا الآن ولكن الوقت كفيل بأن يخفّف من حدة الألم وأن يشفي الجرح وستشعرين أنت وجميع أفراد أسرتك بشكل أفضل. كما قلت لك الزمن كفيل بمعالجة كل ألم. أما بالنسبة للفقر- يا رنين- فالعالم مليء بالفقراء وهم يعيشون ويشتغلون وينجحون في حياتهم بشكل جيد. وأنت ما زلت في مطلع الحياة، ويمكنك أن تشقي طريقك وأن تبني مستقبلك بالجدّ والنشاط والمثابرة والاعتماد على النفس. هل تعرفين يا رنين، وأنتم يا أيها الطلاب هل تعرفون الآية الكريمة رقم 186 من سورة آل عمران إنها فرصة لنتعلم من القرآن الكريم بعض الآيات التي تواسي المصاب وتحفّزه على القيام من عثرته وشق الطريق من جديد. يقول الله تعالى في هذه الآية الكريمة: "لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" أي أن الله يختبركم يا أيها المؤمنون في أموالكم عن طريق إخراج النفقات الواجبة (مثل الزكاة) والمستحبة (مثل الصدقات) أو عن طريق ما يصيب الأموال من مصائب مثلما حدث مع والد رنين، كما يختبركم الله عزّ وجلّ في أنفسكم بما يفرضه عليكم من الطاعات وما يحل بكم من جرح أو قتل أو فقد عزيز؛ وذلك من اجل أن يميز الله المؤمن الصادق من غيره. وستسمعون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيكم من الأقوال والألفاظ ولكنكم إن تصبروا على هذه المصائب وتنجحوا في الاختبار وتلتزموا طاعة الله وتجتنبوا معاصيه وتتذكّروا أن الله مع الصابرين الذين يتغلبون على أنفسهم ويواصلون العمل والنجاح فإنّ ذلك من الأمور التي يعزم عليها.

رنين: (وهي ما زالت تبكي)    أنا أيضًا أحب أن أنجح في الاختبار وأن أكون من الصابرين المفلحين.

التفسير النفسي: هكذا هم الأولاد، في كثير من الحالات لا يستطيعون كبت مشاعر الشماتة والتّشفّي بمصائب الآخرين. وخاصّة أن رنين هي التي كانت تتكبّر وتتعجرف عليهم وتهزأ منهم ومن فقرهم. لقد أحسنت المعلمة صنعا عندما لم تذكّر رنين بهذا الشيء وكانت لطيفة معها تقدم لها الدعم والمساندة. ولو أنها قالت لرنين، مثلما قال لها الطلاب: "تستحقين ما جرى لك" أو "ستُعانين الآن كما عانينا" ستكون في ذلك حلاوة الانتقام ولكن مثل هذا الرد لن يجدي نفعا ولا يحل مشكلة. ردّ المعلمة اللطيف والجميل هو الذي يعلّم الطلاب كيف لا يتكبّرون ولا يتعجرفون لأنّ  الحياة مثل الدولاب وحتى الناس – مثل رنين حاليا- الذين في الأسفل يمكنهم أن يتعلموا ويتطوّروا ويحققوا الإنجازات الكبيرة. أما المعلمة فقد فعلت أكثر من ذلك فقد قدّمت لرنين ولجميع طلاب صفّها هدية جميلة ألا وهي الآية الكريمة من سورة آل عمران والتي تتحدث عن ضرورة الصبر وأن نكون أقوياء وأن لا ننهار في اللحظات الصّعبة حتى عندما يسخر منا الكثيرون وأن نتابع المشوار نأمل في  تحقيق مستقبل أفضل.