| هل الفقد هو تصريح بالعدوانية؟ |
| الفصل الأول |
|
" إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (سورة البقرة، الآية 160). رامي طالب في الصفّ العاشر، يُعتبر رامي في المدرسة طالبا مشاغبًا مشوّش الذّهن بشكل خاصّ فهو لا يحترم أحدًا في المدرسة، يستخفّ بالجميع ويتصرّف بعدوانيّة مع محيطه وبيئته. كما أن رامي يثقل كاهل والديه بما يسبّبه لهُما من المشاكل: فهو يسرق سيارة العائلة، ويتجوّل بها وهو يقوم بحركات بهلوانية تعرّضه وتعرّض غيره للخطر هذا عدا مخالفات المرور. والدا رامي قلقان عليه من تصرفاته وبشكل خاص أم رامي قلقة جدًّا لأنه لا يطيع أوامرها ويعاملها بغلظة ويخاطبها بكلام بذيء. لم يكن سلوك رامي على هذا النحو دائما. فقد كان في أول نشأته ولدا هادئا وحتى منطويا على نفسه. بقي رامي كذلك حتى ذلك اليوم الذي أقدم فيه ابنُ عمّه – الذي كانت تربطه به علاقةٌ وثيقة جدًّا - على الانتحار بشكل لم يكن متوقّعا إطلاقا. منذ ذلك اليوم تحوّل رامي إلى ولد مدلّل، ينام في النهار ويستيقظ في الليل، أهمل دروسه وكفّ عن الاهتمام بنفسه وأخذ يستغلّ والديه. أما والدا رامي فما زالا يشفقان عليه ويخافان عليه كثيرا وخاصّة عندما يهدد بأنه سينتحر إذا لم تلبَّ كلّ طلباته. كانت حيرة الوالدين شديدة، فهُما، من الجهة الأولى، يخشيان أن يفقداه ميتا إذا ما أقدم على عمل طائش يؤذي فيه نفسه، ويخشيان من جهة أخرى، أن يفقداه حيًّا إذا ما لم يستجيبا إلى كل طلباته. وقد زاد الطين بلّة أنه في الآونة الأخيرة بدأ يدخّن دون خجل حتى بحضور والده، وإضافة إلى تطاوله وسوء تعامله مع والدته بدأ يسيء التصرّف مع أخته الصغيرة، ولم تجدِ كل توسلاتهما ليغيّر من سلوكه ويحسّن من تصرفاته ويعود إلى رشده. توجّه الوالدان إلى مربي صفّ رامي لعلمهما بما كان يكنّه ابنهما لهذا المعلّم والمربي من احترام وتقدير. تحدث المربي مع رامي حول تدني تحصيله الذي تمثل في تدهور علاماته في جميع المواضيع نتيجة لإهماله الناجم عن سلوكه وسوء تصرفاته ولكن دون جدوى. وعندما شعر المربي أن شيئا لم يعد يجدي مع رامي لجأ إلى المصحف الشريف وقرأ على مسامع رامي الآية الكريمة رقم 160 من سورة البقرة: " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ". والتي وجد فيها شفاء لحالة رامي إذ جعله يدرك بلباقته كمعلّم وحنانه كمربٍّ أنّ الله يقبل توبة الذين يرجعون مستغفرين الله من خطاياهم وقد أصلحوا ما أفسدوه وبيّنوا ما كتموه وأن الله يجازيهم على ذلك بالمغفرة فهو التوّاب على من تاب من عباده وهو رحيم بهم إذ وفقهم إلى التوبة وقبلها منهم. وجد رامي أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه فدخله راضيا. التفسير النفسي: عندما فقد رامي ابن عمّه لم يعد ذلك الولد الذي كان. يبدو أن في علاقة القربى والصداقة الحميمة بينهما ما مكّن رامي من كبح جماح نفسه واحتواء مشاعره والتصرّف بشكل لائق. وبعد أن فقد رامي ابنَ عمه ربما ساوره شعور بالذنب وغضب على نفسه ربما لأنه لم يستطع حماية ابن عمه ومنعه من الانتحار، وربما أنه اتّهم أيضًا البيئة المحيطة (المدرسة والعائلة ...) بعدم حمايته والتفريط به. وربما أنه غاضب أيضًا من ابن العم الذي تركه وحيدا وربما أنه حوّل الحزن والأسى على العزيز الذي فقده فجأة إلى سويداء (كآبة) وغضب وعدوانية وجّهها إلى الجميع وحتى إلى أخته الصغيرة. على كل حال من المحبّذ أن نحاول الحديث مع رامي حول مشاعره بصدق وأن نفسح له المجال- إذا كان يرغب في ذلك- لأن يعبّر عن ألمه وعن غضبه بكل حريّة. بعد أن ينفّس عن ألمه يمكنه التخلّص منه في عملية تدريجيّة تستغرق فترة من الوقت. ولكن هذه الوسيلة العلاجية لن تجدي نفعا إذا لم نضع أمام رامي حدودا واضحة ولذلك كانت تلاوة الآية الكريمة الملائمة خطوة مهمّة جدًّا في طريق شفائه. |