| هل يجوز لنا أن نكره شخصا ما على أن يؤمن بدين معين؟ |
| الفصل الثالثَ عشَر |
|
" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ " (سورة الشورى، الآية 15) في الآونة الأخيرة توطد إيمان نبيل وزاد إقباله على الدين. فقد أصبح يؤدي الصلوات بشكل منتظم وفي أوقاتها وغالبا في المسجد وأخذ يقرأ كثيرا في القرآن الكريم ويحفظ بعض السور ويقرأ في كتب التفسير والفقه والسّيرة. في كل مشكلة واجهته أو سؤال استعصى عليه كان يتوجه نبيل إلى إمام المسجد الذي يصلّي فيه حيث وجد عند هذا الشخص علما ومعرفة إذ أنه خريج كلية شريعة وكثير القراءة وواسع الاطلاع. كان نبيل إذا شاهد أحد زملائه يتصرف بشكل لا يتلاءم مع مفهومه للدين - كان يغضب ويتهجم على هذا التصرف ويأخذ بلوم زميله وربما يخاصمه. لم يرضَ زملاء نبيل عن تشدّده وتزمّته وانتقاداته الكثيرة على تصرفاتهم، الأمر الذي دفعهم إلى الابتعاد عنه تجنبا لوعظه المستمر واستشهاداته المتواصلة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولغضبه. لم يكن نبيل كذلك قبل توجهه إلى الدين، لقد تغيّر جدًّا في الفترة الأخيرة وبدأ يتعرف على أصدقاء جدد تعرف عليهم في المسجد أو في دروس الفقه والتفسير حيث وجد بينه وبينهم لغة مشتركة وتبادل معهم الحديث حول المسائل الدينية والشرعية والفقهية. لم يكن أصدقاؤه القدامى الوحيدين الذين عانوا من تشدده وتزمته فقد عانى من ذلك أفراد أسرته أيضًا حيث كان يعلق كثيرا على تصرفاتهم وأقوالهم وعلى طريقة لبس أخواته ومدى التزامهن بالزي الإسلامي الشرعي، كما أن أمه لم تفلت من تعليقاته وملاحظاته. لاحظ والد نبيل تذمر أولاده وبناته من تصرفات نبيل وبالأخص من تعليقاته لذلك قام في الأسبوع الماضي باستدعائه وبعد أن أثار معه الموضوع فتح الأب القرآن الكريم على سورة الشورى وقرأ منها الآية رقم 15 والتي يقول فيها عز وجل: "... اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ..." سأل الوالد ابنه إذا كان يفهم ما يرمي إليه. كانت تلك المرة الأولى التي توقف فيها نبيل عن الوعظ والتعليقات وأصغى . بعد تمعن قصير للآية الكريمة أعلن نبيل :" لقد أخطأت في التصرف معكم ما كان ينبغي لي أن أفرض عليكم أو أكرهكم على شيء حيث أن الله تعالى يقول بأنه لنا ثواب أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، لا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم بعدما تبين الحق. الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة فيقضي بيننا وبينكم . حقا أنا لم أتصرف كما يريد الله مني أن أدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة فهو يقول "لكم دينكم ولي ديني" وكذلك "لا تزر وازرة وزر أخرى". إنّ إبراهيم الخليل لم ينجح في إقناع والده كما أن نوحا لم ينجح في إقناع ابنه وهم أنبياء ومن أولي العزم. صحيح أنني أريد أن تكونوا جميعا على صراط مستقيم مع الله لأنني أحبكم وأريد الخير والسعادة لكم في الدنيا والآخرة، ولكن ما كان علي أن أكرهكم على ذلك أو أن أخاصمكم . عندما سمع الأب ما قاله ابنه أدرك أنّه فهم جيدا ما أراده منه فقام وعانقه ودعا له بالتوفيق. التفسير النفسي: من حق نبيل أن يختار الطريق الذي يسلكه في سبيل تحقيق إيمانه وتأدية الفرائض والواجبات الدينية والتي منها الدعوة إلى الله. ولكن عليه أيضًا أن يعرف أن الدين لا يفرض بالقوة " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". من الآية التي استخدمها الأب يتضح أنه من المفضل عدم الدخول في جدال لا طائل منها "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" كل واحد يتحمّل مسئولية أعماله وفي النهاية الله هو الذي يفصل فيما اختلف فيه الناس. لقد أحسن والد نبيل عندما اختار هذه الآية وفتح عيني ابنه على حقيقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالفرض والإكراه والتأنيب والتعنيف. هذه الآية مهمة جدًّا في واقعنا الحاضر المليء بالصراعات على الخلفية الدينية، فهي تذكرنا بأنَّ الإكراه ليس هو الأسلوب إلى الدعوة إلى الله كما لا يحق للعلمانيين أيضًا أن يكرهوا الناس على مبادئهم. تذكرنا هذه الآية بأنَّ كل إنسان مسئول عن تصرفاته وأن الله يحاسب كل واحد بما فعل وليس بما فعل غيره "ولا تزر وازرة وزر أخرى". |