رئيسي قرآنت الفصل الثالثَ عشَر ماذا نقول لمن يفهم طيبة القلب على أنها ضعف؟
ماذا نقول لمن يفهم طيبة القلب على أنها ضعف؟
الفصل الثالثَ عشَر

" وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا" (سورة الإسراء ، الآية 83)

فقد عامر، وهو طالب يتعلم في الصف الخامس، والده وأخاه في حادث طرق مروّع قبل عدة أشهر. شرح مربي الصف للطلاب بأنه سيكون من الصعب على عامر أن يتجاوز هذه المرحلة بدون مساعدتهم له. منذ ذلك الوقت وزملاؤه - طلاب صفه- يتعاملون معه بشكل خاص. أما عامر فقد أصبح، ويا له من أمر غريب، شخصا لا يُطاق: ففي البداية راح يتصرف بعنف جسدي مع الطلاب الضعفاء في الصفّ حيث كان يفهم الأمور على غير حقيقتها وبشكل غير صحيح. فقد راح يتبجح ويدّعي بأنَّ جميع طلاب الصف يخافون منه ويعملون له ألف حساب ولذلك يشترون له الحاجيات ويساعدونه استرضاء له وخوفا من بطشه. على سبيل المثال عندما أعطاه يوسف حبة شوكولاطة ادّعى عامر بأنَّ يوسف يخشى إذا ما قدم له حبة الشوكولاطة فإنَّه سيختطف منه حبته وسيشبعه ضربا. لقد بلغت تصرفات عامر هذا الأسبوع ذروتها : حيث قام عامر بالتنكيل بحلمي لأنه لم يقبل أن ينسخ له المادة عن اللوح إلى دفتره.

على ضوء ذلك اتفق طلاب الصف على أنهم غير مستعدين للقيام بأي شيء لصالح عامر وقرروا أن يلقنوه درسا لن ينساه أبدًا. بناء على اتفاق طلاب الصف أصبح الطلاب يرفضون ولا يلبون لعامر أي طلب يتوجه به إلى أيٍّ منهم. وعندما كان عامر يحاول أن يرد على الرفض بعنف كلامي أو جسدي وقف جميع الطلاب في وجهه. استمر الوضع على هذا الحال حوالي الشهر، في أعقابه بدأ عامر يدرك أنّه أساء التصرف مع طلاب صفه فلذلك نبذوه. شعر عامر بالضيق من جراء ذلك وحبس نفسه في بيته ولم يخرج للعب مع زملائه، حتى أنّه أصيب بالاكتئاب.

في أحد الأيام طرق باب بيت عامر شخص ما. ردّ عامر بصوت ضعيف ويائس: "ادخل". كان ذلك صابر أعزّ أصدقاء عامر. عندما رآه عامر هجم عليه يعانقه ويسأله: " ما الذي حدث لك؟ ! هل أنت أيضًا هجرتني ولم تعد تريد صداقتي؟!" أجابه صابر: "كل ذلك بسبب تصرفاتك". رد عامر قائلا بأنه لا يفهم ما يقصده صديقه صابر. عند ذلك قال له صابر: "وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا". شرح صابر لعامر لماذا ابتعد عنه وقاطعه زملاؤه في الصف وبيّن له ما هي الأخطاء التي ارتكبها بحقهم. عندها أخذ عامر رأسه بين راحتيه وصاح : "ويلي ... كم كنت سيئا . الآن أعرف ما هي غلطتي وكيف عليّ أن أصلحها".

التفسير النفسي: حدثت لعامر مصيبة وقد تجنّد زملاؤه لمساعدته على أمل أن يقدر مساهمتهم ومساعدتهم وأن لا يسيء فهم طيبة قلوبهم على أنها ضعف، كما يفعل بعض الناس في كثير من الأحيان. تقول هذه الآية الكريمة والمهمة جدًّا بأنَّنا عندما نحسن إلى إنسان معين في كثير من الحالات يُعرض عنا ويدير لنا ظهره أما عندما تصيبه ضائقة أو سوء فإنَّه يبدأ يتساءل من أين جاءته هذه الضائقة أو السوء وربما أن لها علاقة بسلوكه. الأمر الذي يصيبه باليأس وربما بالاكتئاب. لقد أغدق الطلاب على عامر حبهم وتعاطفهم ولكنه لم يفهم هذا التعامل بشكله الصحيح فلذلك اضطر زملاؤه إلى تلقينه الدرس الذي لا بدّ منه ليعود إلى صوابه. لقد أحسن صابر الذي بيّن لعامر خطأه وكيف أنّه قابل المعروف وطيبة القلب بالإساءة وسوء التصرفات. بذلك ساهم صابر بأن ندم عامر على ما فعل وعاد إلى صوابه كما أحسن صابر عندما استعمل من أجل ذلك هذه الآية الكريمة التي أثرت تأثيرا مباشرا وفوريا على عامر.