| ماذا نقول للشخص الذي يسيطر عليه الاكتئاب في أعقاب إصابة أو مرض؟ |
| الفصل الثانيَ عشَر |
|
" وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ" (سورة الحجر، الآيات 51 - 56) لسبب ما صرفت المدرسة، اليوم، صفَّ إياد في ساعة مبكرة. قال إياد في نفسه: "يا للروعة، لقد انصرفنا مبكرا، سأذهب للاستراحة قليلا بعد ذلك سأذهب إلى التدريب الأخير قبل السباق الكبير". نعم، لقد اقترب اليوم الكبير الذي طالما انتظره إياد. في الأسبوع القادم سيجرى سباق الدراجات، هذا السباق الذي انتظره إياد منذ وقت طويل والذي يتوقع فيه أن يحصل على الكأس لأنّ أحدا من المتسابقين لا يجاريه في خبرته ومهارته في ركوب الدراجة الهوائية. كان ذلك حلم حياته وفجأة ... استيقظ ليرى حوله أشخاصا كالأشباح يلبسون الملابس البيضاء. ما هذا؟ مستشفى؟ ماذا يفعل هنا؟ كيف وصل إلى هنا؟ آخ، ما هذه الآلام ... رجله معلقة في الهواء، ويده أيضًا. ما هذا؟ ماذا حدث؟ فجأة سمع الممرضة تنادي الطبيب قائلة : "تعال، لقد صحا". لماذا تبكي أمه؟ اقترب منه الطبيب وقال: الحمد لله على السلامة، يا إياد، كيف تشعر الآن؟" لم يجب ولكن إيادا المندهش طلب من الطبيب: "اشرح قبل كل شيء ما الذي حدث"، قال له الطبيب بأنَّ سيارة إصابته وهو يقطع الشارع. "لقد فقدتَ وعيك وأحضروك إلى هنا" ثم أضاف: " وقد نجوت بأعجوبة، بفضل الله، كان من الممكن أن يكون وضعك أسوأ بكثير". شعر إياد بأنّ جسمه يؤلمه ألما شديدا جدًّا، فسأل الطبيب كم يحتاج من الوقت حتى يشفى مما هو فيه. أجاب الطبيب بأنَّه بحاجة إلى وقت طويل لأنه بحاجة إلى إجراء عملية في رجله. صمت إياد ولكنه فكر بينه وبين نفسه بأنَّه لا يستطيع أن يشترك في سباق الدراجات وهذا الأمر سبب له اكتئابا شديدا. لقد انتظر هذا السباق طويلا واستعد له كثيرا ... كلما زاد مكثه في المستشفى تفاقم اكتئابه حتى أنه توقف عن الأكل والشرب. زاره زملاؤه في الصف ولكنه رفض التحدث إلى أي منهم. لقد ضاع منه الكأس الذي كان يحلم به كثيرا والذي كان وشيك التحقيق فماذا بقي له في الحياة؟! حاول والدا إياد وإخوته أن يواسوه وأن يشجعوه، ولكن عبثا. أحضروا له الهدايا والحلويات التي أحبها، وأكدوا له بأنه سيعود إلى دراجته وأنه سيفوز بالكأس في سباق آخر ولكن شيئا من هذا لم يجعله يعود إلى طبيعته. انقطع إياد بنفسه عما حوله ولم يعد يتواصل مع من حوله من أهل أو طاقم طبيّ. وبقي على هذه الحال حتى زارته في أحد الأيام المعلمة فاتن التي أحبها كثيرا جدًّا. سألت المعلمة فاتن إيادًا عن حاله ولكنه اكتفى بأن قال لها بأنهم وضعوا له في صباح ذلك اليوم مسمار بلاتين في رجله وأنّ الطبيب قال له بأنه لن يعود أبدًا مثلما كان في السابق أي قبل الحادث. في هذه اللحظة أخرجت المعلمة فاتن من حقيبة يدها مصحفا وفتحته وهي تطلب من إياد أن يأذن لها بأنَّ تقرأ على مسامعه بعض الآيات من قصة سيدنا إبراهيم الخليل كما وردت في سورة الحِجْر والتي يقول فيها عزّ من قائل: " وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ"، ثم أضافت :" بما أنّني أعرفك وأعلم علم اليقين أنك لست من الضالين، وأنا متأكّدة من أنك ستقتدي بسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ولا تقنط (تيأس) من رحمة الله، كما أحب أن أعلمك شيئا آخر، يا إياد، لا شيء في الدنيا يعترض إرادة الإنسان ، وإذا أردت وعزمت فإنَّك تستطيع أن تعود كما كنت وربما أحسن". كانت هذه هي المرة الأولى التي ابتسم فيها إياد منذ إصابته. التفسير النفسي: الكثير من الناس يصابون بالاكتئاب في أعقاب إصابة في حادث أو إصابة بمرض مستعصٍ أو إجراء عملية جراحية كبيرة. عندما يشعر الإنسان بأنَّ جسمه لا يتجاوب معه يميل، بشكل طبيعيّ، إلى رد فعل من هذا النوع. من المعلوم أن الأشخاص الذين يتعافون من عمليات جراحية يشعرون أحيانًا كثيرة بالاكتئاب. هذا هو الوقت الذي فيه يجب على الأصدقاء والأقارب التجنّد لمساعدة المريض وتشجيعه على تجاوز هذه المرحلة. لذلك فإنَّ وجودهم بجانبه مهم جدًّا في عملية الشفاء. ولكن عندما يكون الكسر كبيرا كما في حال إياد الذي تحطّم حلم حياته وعملية شفائه صعبة وطويلة. في مثل هذه الحالات لا شيء يعدل الإيمان الذي يمكن أن يرفع معنويات المصاب ويجدد قوته وتخليصه من اكتئابه. وها هي المعلمة فاتن تقوم بهذه المهمة خير قيام باستخدامها لقصة من قصص القرآن الكريم ألا وهي قصة سيدنا إبراهيم عندما بشرته الملائكة بولادة ابن له وهو شيخ كبير وامرأته عجوز عقيم. ومع ذلك فإنَّ إبراهيم لم يقنط من رحمة الله في أن يرزقه الولد إذ أن عديمي الإيمان وحدهم هم الذين يقنطون من رحمة الله . لذلك لا عجب أن يبتسم إياد لأنّ قلبه مليء الآن بالأمل وبأنَّ رحمة الله قريبة منه . |