رئيسي قرآنت الفصل الثانيَ عشَر هل يريد الله تعالى التسهيل علينا؟
هل يريد الله تعالى التسهيل علينا؟
الفصل الثانيَ عشَر

" يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (سورة النساء، الآية 28)

تتعلّم عبير بنت الثالثة عشرة في الصف السادس، وهي تواجه أعباء ثقيلة جدًّا: فقد توفّيت أمها في الصيف الماضي إثر حادث طرق تاركة وراءها زوجا وبنتين وولدًا: عبير البكر، وأختها أمل وهي في الحادية عشرة ومحمد ابن الثامنة.

بعد ستة أشهر من موت الأم قرّرت العائلة الموسّعة بأنَّ الأب لا يستطيع تدبير أمور منزله وتربية أولاده والاهتمام بشئونهم بدون زوجة، لذلك عليه طالبوه بأن يختار له عروسا من بنات العائلة ويتزوجها في أقرب وقت. وهذا ما حدث فعلا. خلال شهر تقريبا تزوج الأب ثانية. ولكنّ الزوجة الجديدة أوضحت منذ يومها الأول بأنها ما زالت صغيرة لأن "تحبس" نفسها وتوقفها خدمة لأولاد ليسوا لها. بقي الأب لا حول له ولا قوة أمام زوجته الشابة ولم يكن أمام عبير إلا أن تتحمّل المسئولية ليس عن نفسها فحسب بل عن أختها وأخيها الصغيرين.

تستيقظ عبير في ساعات الصباح الأولى حيث توقظ أختها أمل وأخيها محمدا، وتساعدهما على إعداد أنفسهم للذهاب إلى المدرسة، وتحضّر لها ولهما وجبة إفطار وتضع لكل منهما "زوادة" في حقيبته ليتناولها في الاستراحة في المدرسة وتأخذهما معها إلى المدرسة وفي نهاية الدوام تصحبهما في طريق العودة من المدرسة إلى البيت. بعد أن يتناولوا معا وجبة الغداء (الشيء الوحيد الذي تصنعه لهم زوجة أبيهم) تساعد عبير أختها وأخاها على حل وظائفهم البيتية وتحضير دروسهم. وفي ساعات المساء تحضر لها ولهما وجبة عشاء وتحرص على أن يغتسلا ويدخلا إلى الفراش، وعندها فقط تتفرغ إلى دروسها ووظائفها البيتية.

وجهت إحدى المعلمات عبير إلى المستشارة وذلك لأنّه بدأ يظهر على عبير التي كانت طالبة متفوقة وذات دافعية مرتفعة تحصيل جيد - علامات عدم اكتراث بالدروس كما أن علاماتها بدأت تنخفض وظهر عليها الإعياء والتعب بالإضافة إلى التوتر الشديد.

حكت عبير قصتها للمستشارة التربوية في المدرسة. فكرت المستشارة ماذا يمكنها أن تقول لعبير حتى تشجعها وتبعث فيها روح الأمل كي تسهل عليها تحمل أعباء المهمات الكثيرة الملقاة على عاتقها. قبل كل شيء أكدت المستشارة مدى أهميتها لأختها ولأخيها ولجميع أفراد العائلة وقالت لها بأنهم لا يستطيعون تدبير أمورهم بدونها. ثم تناولت المصحف الشريف الموجود بشكل دائم على طاولة مكتبها وقالت لعبير بأنها تريد أن تقرأ لها الآية رقم 28 من سورة النساء والتي يقول فيها عز وجل: " يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا"، ثم سألت المستشارة عبير: " ماذا فهمت من هذه الآية؟". أجابت عبير :" يقول الله تعالى بأنَّ الناس جميعهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة ولذلك فإنَّ الله يريد أن يخفف عنهم ويسهّل عليهم بما سنّه لنا من منهج حياة". أضافت إلى ذلك المستشارة بأنها تأمل أن ترافق هذه الآية عبير دائما وأن تواسيها وتساعدها على تحمل أعباء مهماتها وأن تبقى تنظر إلى المستقبل حيث ترى بصيص النور في آخر النفق وأن الله لن يضيع تعبها وسيخفف عنها هذه الأعباء في المستقبل كما وعد في هذه الآية الكريمة.

التفسير النفسي: من الصعب على المستشارة التربوية أو المعلمة أو المربية أن تكون عندها طالبة مثل عبير، لأنّ رجال التربية يريدون دائما أن يساعدوا طلابهم ولكنهم - كما في حال عبير- لا يستطيعون تغيير واقع حياتهم. في هذه الحالات الصعبة، (وهذا صحيح أيضًا لجميع الحالات الصعبة التي لا نملك ولا نستطيع تغييرها)، لا يوجد أفضل من بعث روح الأمل في الإنسان. الأمل بأنَّ المستقبل سيكون أفضل هو قوة دفع عظيمة تساعد الإنسان في التغلّب على الصعوبات والآلام الكثيرة. وهناك طريقة أخرى لمساعدة عبير ومن في مثل وضعها الصعب والتي تبنتها المستشارة وهي إعطاء معنى لحياة الشخص. عبير شخصية مهمة جدًّا بالنسبة لعائلتها- والدها وأختها وأخيها. فهم متعلقون بها وماذا يمكنهم أن يفعلوا بدونها؟ إنّ مجرد معرفتها بمدى مساهمتها العظيمة للعائلة وبأنها (أي العائلة) بحاجة ماسة إليها وبأنها بدونها سينقطع خيط عقدها- يمكن أن يعزز فيها الأمل ويجدد قواها ويحفّزها. هذا بالإضافة إلى أن العائلة الكبيرة وأهل الحي وربما أهل البلد والطلاب والمعلمون في المدرسة كلهم يرصدون بإعجاب وتقدير ما تقوم به من تصرف نبيل وتضحية عظيمة. هذا كله لا شك سيمنح عبير تعزية ولو جزئية على الأقلّ ويزودها بالقوة المطلوبة لمواصلة ما تقوم به من عمل طيب ونبيل. لذلك فقد أحسنت المستشارة عندما أسمعت عبير الآية الكريمة التي تبعث روح الأمل في الإنسان. وبعث الأمل في النفوس هو أحد مزايا القرآن الكريم.