رئيسي قرآنت الفصل الثانيَ عشَر كيف نشجّع طالبا يتعلم في صف تطويري؟
كيف نشجّع طالبا يتعلم في صف تطويري؟
الفصل الثانيَ عشَر

" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ " (سورة آل عمران، الآية 110)

في مدرسة "الكمال" فتحوا في هذه السنة صفا تطويريا خاصا للطلاب الذين يحتاجون إلى مساعدة من أجل دمجهم في المدرسة. عدد طلاب هذا الصف هو خمسة عشر طالبا بالإضافة إلى عدد قليل من الطلاب ينضمون إلى الصف في بعض المواضيع ولفترات معينة. في الآونة الأخيرة انضمّ محمد إلى هذا الصف في دروس الحساب.

في الاستراحة (التنفّس) التقي محمد مع زملائه من الصف الأم الذين سألوه: " كيف حالك يا محمد؟ هل من جديد؟ كيف تسير الأمور؟ كيف التعليم في الصف الجديد؟" أجابهم محمد :" أنا راض جدًّا عن التعليم في هذا الصف. أنا استفيد كثيرا، المعلمة تجلس معي في الصف وتشرح لي المادة ولا تتركني حتى أفهمها جيدا".

علّق سليمان: " شيء ممتع حقا، أولاد معاقون. تماما كما قال رامي- جميع الأولاد المخبولين " الضاربين" يتعلمون في هذا الصف". عند سماع أقوال سليمان انفجر جميع الطلاب الذين تحلّقوا حولهم بالضحك. شعر محمد بالارتباك والإهانة وكاد ينفجر بالبكاء لولا أن كبح جماح نفسه. منذ تلك اللحظة وحتى نهاية الدوام بقي محمد حزينا ولم يشترك في الدروس ولم يتعاون مع المعلمة حين توجهت إليه، وعندما سألته هل حدث معه أو له أي مكروه؟ أو هل يضايقه شيء؟ بقي صامتا ولم يجب أيضًا ...

في اليوم التالي لم يخرج محمد إلى ساحة المدرسة في الاستراحة (التنفس) لكي يتفادى اللقاء مع زملائه من الصف الأم. خشي محمد من أن يعودوا للسخرية منه. لاحظت المعلمة المساعدة بقاء محمد في الصف خلال الاستراحة فسألته ماذا حدث في اليومين الأخيرين وإذا كان حدث له أو معه شيء أو إذا كان هناك شيء ما أو شخص ما يزعجه. ثم عقّبت قائلة بأنه إذا لم يقل ما الذي يضايقه أو من الذي يزعجه فإنَّ المشكلة ستبقى بدون حل أو ربما تفاقمت أكثر. وهذا ليس من الحكمة لأنها ربما باستطاعتها أن تساعده. عندها قال لها محمد: " هل نحن حقا صف مخبولين "ضاربين" لا نساوي شيئا". تَأَوَّهَت المعلمة المساعدة وسألته من قال له هذه الخزعبلات التافهة. أجاب :"طلاب صفي، سأتحدث مع والدي وسأقول لطلاب الصف التطويري كلهم ليتحدّث كل واحد منهم مع والده للضغط من أجل أن يعود كل واحد إلى صفه الأم". ذكّرت المعلمة محمدا بأنَّ هؤلاء الطلاب هم الذين قالوا في بداية السنة بأنهم يواجهون صعوبة في الصف الأم وبأنهم لا يستطيعون مجاراة بقية الطلاب. أجابها محمد "هذا صحيح، ولكن من الأفضل أن نكون في صف لا نحبه من أن نكون في صف طلاب "ضاربين" مخبولين". لاحظت المعلمة بأنَّ الموضوع جدي وخطير فنقلت المعلومة إلى مربية الصف ومعًا توجهتا إلى مدير المدرسة. تحدثت المعلمتان عن مدى معاناة الأولاد من سخرية زملائهم كما أشارتا إلى الضرر الذي لحق التصور الذاتي لهؤلاء الطلاب والذي لا بد من العمل على ترميمه كجزء من العمل في الصف التطويري.

قرر المدير والمربية والمعلمة المساعدة أن يدعوا جميع أولياء أمور الطلاب في الصف الأم وفي الصف التطويري إلى اجتماع خاصّ يشرحون لهم فيه معنى صف تطويري وما هو الهدف منه كخطوة أولى في محاربة دمغ هذا الصف بوصمة "صف المخبولين" أو " صف المعوّقين" .

في الاجتماع شرح المدير لأولياء الأمور بأنَّ العمل في هذا الصف هو عمل فرداني وملاءم لوضع كل طالب بشكل شخصيّ. بهذه الطريقة ينجح الطلاب في فهم المادة بشكل جيد بالإضافة إلى أنهم يستمتعون بالدراسة. إضافة إلى ذلك تعطى لهم دروس إثراء في الإبداع والموسيقى وغيرهما من المواد اللا - منهجية. تفاجأ أولياء الأمور من هذه المعلومات وكان هناك من طالب بضم ابنه إلى هذا الصف التطويري. في نهاية الاجتماع توجه المدير بشكل خاصّ إلى طلاب الصف التطويري قائلا :" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ ". منذ تلك اللحظة شعر طلاب الصف التطويري بالاعتزاز والفخر بانتمائهم إلى هذا الصف لأنّ الطاقم التربوي يدعمهم ويتعامل معهم كأفضل طلاب في المدرسة مشبّها إياهم بأمّة الإسلام التي هي خير أمة أخرجت للناس.

التفسير النفسي: يعلم كل ولي أمر وكل معلم أهمية التصور الذاتي الايجابي ومدى مساهمته في نجاح الطالب في الدراسة. الطالب الذي يعتبر نفسه معاقا "مخبولا" يواجه صعوبة جمّة في تحقيق النجاح في دراسته. لذلك من المهم جدًّا أن نشجع الأولاد دائما وننفعل من تحصيلهم ونمنحهم الشعور بأنَّ كل شيء متعلق بإرادتهم. يجب أن يرى الولد بريق الانفعال في عيون والديه وفي عيني معلمه عندما يقوم بعمل متميّز أو يحقق إنجازا لأنّ مثل هذا التفاعل يجعل الولد يؤمن بنفسه وبقدراته. لذلك نرى أن المدير أحسن التصرف عندما دعا أهالي الطلاب لكي يكون واضحا للجميع بأنَّ الطلاب في هذا الصف لا يقلون نجاحا عن بقية الطلاب في الصف الأم. وإذا واجهت طالب صعوبة في موضوع ما فإنَّ هذا لا يعني أن هذا الولد لا يستطيع تحقيق انجازات عالية لا تقل عن بقية زملائه. كما أحسن المدير عندما استعان بالآية الكريمة ليرفع من اعتزاز هؤلاء الطلاب بأنفسهم وانتمائهم إلى هذا الصف.