رئيسي قرآنت الفصل الثانيَ عشَر ماذا نقول للولد الذي أصبح مقعدا (معاقا جسديا)؟
ماذا نقول للولد الذي أصبح مقعدا (معاقا جسديا)؟
الفصل الثانيَ عشَر

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " (سورة البقرة، الآية 153)

حتى أمس كان يفكر في امتحانات البجروت (التوجيهي) التي طمح في أن ينجح فيها وأن يواصل تعليمه في الجامعة. نجح الأطباء في المستشفى الذي نقل إليه نجيب في إنقاذ حياته ولكنهم أخبروه بأنه لن يتمكن إلى الأبد من الوقوف على رجليه وهكذا أصبح نجيب مقعدا يتنقل على كرسي متحرك (الذي يستعمله المعاقين). الإصابة الجسدية أصبحت إصابة نفسية أيضًا. إذ أصيب نجيب باكتئاب عميق انتقل أيضًا إلى جميع أفراد أسرته.

كان زملاؤه يزورونه يوميا في المستشفى ويحدّثونه عن الامتحانات وعن مباريات كرة القدم وقد ازداد نجيب حزنا وألمًا ومرارة. كان يقول للممرضة التي كانت تعتني به: "لا أمل لي ولا مستقبل، أحلامي كلها تحطّمت كالزجاج على صخرة الواقع وأنا لا استطيع جمع أشلائها ". عندما رأت الممرضة كم كان نجيب يائسا وكعادتها فتحت الممرضة المصحف الشريف الذي اعتادت أن تقرأ منه على مسامع المرضى الذين يتألمون كي تبعث فيهم الأمل والرجاء وعدم القنوط من رحمة الله التي وسعت كل شيء. لكل مريض كانت تجد الآيات التي تواسيه وتبعث فيه الأمل وتبعد عنه شبح اليأس والقنوط لأنه " وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ" اختارت الممرضة لنجيب الآية 153 من سورة البقرة والتي يقول فيها عزّ من قائل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " قرأت الممرضة الآية الكريمة على مسامع نجيب فعادت له قوة إرادته وقال :" فعلا "إن الله مع الصابرين" إن الله يريدني أن لا أنهار وأن لا أقنط من رحمته إنه يريدني أن أكون قويا صابرا محتسبا." نظرت إليه الممرضة مبتسمة دون أن تنبس ببنت شفة، لقد فعلت الآية الكريمة فعلها.

التفسير النفسي: ما أصعب أن يصاب شاب أو فتاة وهما في مقتبل العمر بمصيبة كتلك التي أصابت نجيب وذلك لأنّ نظرتهم إلى المستقبل الذي يرسمون له الكثير من البرامج ماذا سيتعلمون ومتى سيتخرجون وماذا سيشتغلون وأي بيت يبنون وبمن يتزوجون وإلخ وإلخ إلى ما لا نهاية. وهم في خضمّ هذه البرامج والتخطيطات وإذا بالمستقبل يتحطم إلى شظايا على صخرة الواقع المرير. ماذا يمكننا أن نقول لنجيب أو لغيره من الشباب في مثل هذه اللحظات الصعبة؟ رويدا رويدا يتعلم نجيب كيف يلائم أحلامه وتوقعاته مع واقعه ووضعه الجديد. سيتعلم ماذا يمكنه أن يعمل وماذا لا يمكنه أن يعمله وكيف يبني أحلاما جديدة تتلاءم مع وضعه الجديد. ولكن العملية ليست سهلة فالشاب الذي كان يخيّل إليه انه قادر على كل شيء تقريبا يجد نفسه لا يستطيع الوقوف على رجليه وأنّه بحاجة إلى من يساعده لكي يقوم بأبسط الأعمال. في مثل هذه اللحظات الحرجة والصعبة لا يستطيع أي شيء ما يستطيعه القرآن الكريم على تشجيع الشخص وبعث الأمل في نفسه. يقول له الله عز وجل في هذه الآية: " كن قويا ولا تضعف ولا تستسلم، اصبر واحتسب وسأكون معك والى جانبك." ومن كان الله معه فلا يخاف ولا يحزن. وهكذا استطاعت الممرضة بحكم تجربتها وحنكتها إخراج نجيب من يأسه واكتئابه وبعث الأمل في نفسه.