رئيسي قرآنت الفصل الحاديَ عشَر ماذا نقول للمتخاصمَيْن؟
ماذا نقول للمتخاصمَيْن؟
الفصل الحاديَ عشَر

" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " (سورة الأنفال، الآية 1)

جدال صعب اندلع بين طالبين زميلين وصديقين يتعلمان في الصف السادس. منذ ذلك الوقت انقطعت العلاقة بينهما كما تحولت الصداقة إلى عداوة حيث كانا يبحثان في كل مناسبة عن سبب ليتحرش الواحد منهما بالآخر. في أحد دروس التربية طلب المربي من الطلاب أن يعبروا عن رأيهم في موضوع معيّن. عبر هذان الطالبان عن رأييهما اللذين كانا متناقضين ثم بدآ يتجادلان جدالا تحول إلى خصومة بصوت مرتفع. في نهاية الدرس استدعاهما المربي إلى محادثة. أدرك المربي أن كلا منهما يحقد على الآخر وينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن ينتقم منه. ذكّرهما المربي بأنهما كانا في الماضي صديقين يحبّ كل منهما الآخر كما كانا يقضيان معظم أوقاتهما معا وطالبهما بوضع غضبهما جانبا وأن يتصافيا. ثم أضاف قائلا: "إذا أردتما أن تنجحا في حياتكما عليكما أن تتعلما كيف تقبلان الرأي الآخر حتى وإن كان مخالفا أو حتى مناقضا لرأيك. هل تعرفان الآية الكريمة رقم 1 من سورة الأنفال والتي تطلب من الناس أن يصلحا ذات البين بينهما؟. أجاب الطالبان بأنهما لا يعرفان أو لا يتذكران هذه الآية عندها أخرج المربي القرآن الكريم من مكتبته وقرأ: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " خلال قراءته للآية ركّز المربي على الكلمات التي تنص على إصلاح ذات البين ثم أضاف موضّحا : " إنّ الله يأمركما بالتصالح وإصلاح ذات البين وإطاعته وإطاعة رسوله لأنّ إصلاح ذات البين هو دليل على الإيمان وبواسطته تستطيعون النجاح في الحياة. عندما تكونا متّحدين لن تواجها مشكلة في قبول رأي الآخر عن رضا". استمع الطالبان إلى كلام المربي الناصح لهما واقتنعا نظر كل منهما إلى الآخر ثم قاما وتعانقا.

التفسير النفسي: صحيح حقا أن تقوى الله كما تنص الآية هي التي مكّنت الصديقين القديمين من تسوية خلافهما والعودة إلى الصداقة المتينة التي ربطت بينهما. الخوف من الشخصية السائدة في البيت شخصية الأب هو الذي يجعل الأولاد يتكتلا لأنهم بأمر منه يكونون مستعدين للتنازل عن غضبهم. لذلك فقد أحسن المربي عندما استعمل الآية الكريمة من أجل التقريب من جديد بين صديقين قديمين. هناك طريقة واحدة لإصلاح ذات البين بين صديقين قديمين وهي الجلوس معهما واستيضاح ماذا حدث بالضبط ومن فعل وماذا فعل للآخر وما شابه. مثل هذه الطريقة التي تفتح الجروح من جديد تكون أحيانًا جيدة وتأتي بالنتيجة المرجوّة لأنها تساعد على فهم ما الذي ضايق كلا منهما من الآخر واستخلاص العبر لكي لا يتكرر ذلك في المستقبل. ولكنها أحيانًا يمكن أن تضر أكثر مما تفيد. إذ أنّه يمكن أن تنفتح الجروح ثم لا تعود وتندمل فيثور الغضب ولا يكون هناك تصالح. لذلك هناك طريقة أخرى جيدة لإصلاح ذات البين بين شخصين متخاصمين وهي استعمال سلطة القرآن الكريم. القرآن الكريم يذكرهما بأنهما أخوان والشخصية السلطوية تفرض عليهم بأن يتصالحا، بهذه الطريقة يجمع سبحانه وتعالى بين عباده ولا يسلك معهم بطريقة "فرق تسد" التي يستعملها كثير من الآباء والأمهات . مثل هؤلاء الآباء والأمهات يريدون أن يتخاصم أولادهم مع بعضهم من أجل أن تتعزّز سلطتهم ومكانتهم . طبعا لا يقبل الله بمثل هذا التصرف .