رئيسي قرآنت الفصل الحاديَ عشَر ماذا نقول لمن يميّز البنين عن البنات؟
ماذا نقول لمن يميّز البنين عن البنات؟
الفصل الحاديَ عشَر

" وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (سورة الأعراف، الآية 85)

 

تتعلم فاتن في الصف الثامن وهي طالبة جيدة جدًّا وجميع المعلمين يثنون على سلوكها واجتهادها. فاتن مجتهدة وتكرس كل جهدها في الدراسة وهي تحبّ القيام بمبادرات وأن تساعد زملاءها في الصف. كتب لها مربي الصف على شهادتها: "طالبة ايجابية تساهم كثيرا في خلق جوّ تعليمي في المدرسة". ولكنها عندما يحين درس التربية البدنية (الرياضة) تشعر بعدم الارتياح، إذ أنّ معاملة الأستاذ محمد مع الأولاد أحسن بكثير من معاملته للبنات وبالذات مع فاتن التي تعتبر طالبة ذكيّة وفطنة. في كل مرة تقترح فكرة للعبة ما يقول لها بأنها بنت وأنّه يتوقع منها سلوكا مختلفا. في كل مناسبة يذكّرها دائما بأنها بنت وليست ولدا. في بعض الدروس يطلب من البنات أن يجلسن جانبا ولا يسمح لهن بالاشتراك مع الأولاد في درس الرياضة. تخشى فاتن كثيرا من الحديث مع الأستاذ محمد عن أي موضوع لأنه يجيبها فورا بعنف لذلك فهي تفكر كثيرا قبل أن تتوجه إليه حتى في أمور مهمة.

 

قررت فاتن أن تتحدث حول هذا التعامل من طرف الأستاذ محمد مع المستشارة التربوية في المدرسة. قالت للمستشارة بأنها بكل بساطة تخاف من الأستاذ محمد، معلم التربية البدنية. طلبت فاتن من المستشارة أن لا تتدخل بشكل مباشر في الموضوع بل تزودها بأدوات يمكنها بواسطتها أن تواجه المعلّم بنفسها. جلست المستشارة مع فاتن عدة جلسات وفكرتا معا كيف يمكن أن تردّ على المعلّم بحكمة ودون أن تجرحه أو تسيء إليه. كيف يمكن لفاتن أن تقول للمعلم كل ما تريده دون أن تثير غضبه؟ ولكنهما لم تجدا الجواب.

في أحد دروس التربية البدنية، بعد ذلك بعدة أيام، جمّعت فاتن كل جرأتها واقترحت بأن تلعب مجموعة الأولاد في الصف لعبة كرة السلة ضد مجموعة البنات. غضب معلم الرياضة كثيرا وصرخ على فاتن " ألا تيأسين من محاولاتك وأنت الطالبة الذكية!!" عندها تجاسرت فاتن وردّت على المعلّم :" فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" وأضافت :" إن الله لا يحب التمييز بين الأولاد والبنات ولذلك لا يوجد أي سبب يجعلك تتصرف على هذا النحو!".

التفسير النفسي: في عالمنا كثير من الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات يميّزون بين الأولاد والبنات وبشكل عام يفضلون الأولاد على البنات. نحن نعلم علم اليقين أن هذا ليس عدلا والقرآن الكريم يأمرنا بأن لا نظلم أحدا ذكرا كان أم أنثى. مثل هذا السلوك يسيء في نهاية المطاف إلى المجتمع نفسه بما فيه أولئك الممارسين لهذا التمييز. الوالد الذي يظلم بنته أو يبخسها حقها يفقد صلته بها. إذ كان بإمكانها أن تتعلم وتتقدم وتنجح وتجعل والدها فخورا بها وبنفسه، وهكذا فإنَّ الأب في مثل هذه الحالة يخسر صلته ببنته ويخسر الاحترام والمجد. المعلّم الذي يظلم البنات في الصف يمكن أن يمنعهن من التفوق واستثمار كل قدراتهن وبذلك فهو يخون الرسالة التي يحملها كمعلم ومرب. لا شك أن مستوى الصف سيرتفع لو أن المعلّم اخذ بعين الاعتبار القدرة الكبيرة الكامنة لدى بنات الصف ولم يكتف بالأولاد فقط ولا شك أنّه كمعلم كان سيكون معلما أفضل يقود جميع طلاب صفه إلى تحصيل عال أكثر. وبما أن نصف المجتمع مكون من النساء والنساء هن أمهات أولادنا ولذلك فإنَّ كل خلل يسببه في تطور وتقدم المرأة لا شك يؤثر تأثيرا كبيرا على المجتمع وعلينا جميعا. لذلك لقد أحسنت فاتن عندما كافحت من أجل مساواتها ولم تتنازل عن حقّها، وأحسنت أضعافا مضاعفة عندما استعانت بالآية الكريمة من أجل تحقيق المساواة والعدل والعدالة الاجتماعية.