رئيسي قرآنت الفصل الحاديَ عشَر هل من المحبذ أن يمتنع الولد عن القيام بأعمال ممنوعة بسبب الخوف أم بسبب حبه لوالديه ولله ؟
هل من المحبذ أن يمتنع الولد عن القيام بأعمال ممنوعة بسبب الخوف أم بسبب حبه لوالديه ولله ؟
الفصل الحاديَ عشَر

" وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " (سورة الأعراف، الآية 156)

طلب رامي وهو طالب في الصف الخامس من والده مبلغا من النقود ليشتري لنفسه سيارة سباق صغيرة يلعب بها. وضّح له والده بأنه في هذا الوقت لا يملك ما يكفي من المال ليصرف جزءا منه على لعبة ليست ضرورية لأنه توجد هناك أشياء كثيرة أخرى أكثر أهمية الآن من شراء لعبة. لم يقتنع رامي بشرح والده، وظن أن والده يتملص من شراء اللعبة له. لذلك تسلل في ساعات الليل إلى غرفة نوم والديه وفتح الدرج حيث محفظة والده وسرق منها مِائتي شيكل. بعد فترة وجيزة لاحظت أم رامي بأنَّ ابنها يلعب بسيارة سباق جديدة وجميلة. سألته أمه من أين له هذه السيارة الجميلة ولكنه لم يجب. حكى أخو رامي لأمّه بأنَّ أخاه راميا سرق النقود من محفظة والدهما. غضبت الأم غضبا شديدا وعندما عاد الأب من عمله حكت له زوجته عن أمر السرقة. أنب الوالدان ابنهما وحكيا له قصصا كثيرة عن العقاب الذي يعاقِب به الله السارق وكيف يكون مصيره.

اختبأ رامي وراء الخزانة وراح يبكي. بعدها حصل تغيير كبير على سلوكه إذ أصبح يلبي جميع طلبات أمه وأوامر أبيه. كانت تلك علامات الخوف والفزع من الله.

ندم الوالدان على القصص التي حكياها لرامي والتي على ما يبدو سببت له هذا الفزع، ولكنهما في الوقت نفسه عرفا ماذا يفعلان وكيف يخلصانه من هذه الحالة. توجها إلى المستشارة التربوية في المدرسة طالبين مساعدتها.

استمعت المستشارة التربوية إلى قصة رامي ووالديه وحاولت أن تخفف من فزعه من عقاب الله. قالت المستشارة لرامي بأنَّ الله تعالى فعلا لا يرضى بهذا السلوك، وقبل أن تتمّ جملتها قاطعها رامي باكيا "إن الله غاضب علي بسبب ذلك ومن يغضب الله يعذبه في النار كما قالت لي أمي " قالت له المستشارة : "صحيح أن هذا العمل يغضب الله تعالى ولكن الله يغفر الذنوب أيضًا ويصفح عن المذنبين وأكثر من ذلك يمكن أن يحوِّل سيئاتهم إلى حسنات"، ثم تابعت المستشارة بعد أن أعطته وقتا ليستوعب ما قالت : "أريدك يا رامي أن تستمع إلى هذه الآية الكريمة من كتاب الله عز وجل وهي من سورة الأعراف، يقول تعالى :" قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ". هل تدرك يا رامي كم واسعة هي رحمة ربك؟". "نعم ، نعم " هبّ رامي واقفا من شدة فرحه وقال :" عليّ أن أتقي الله وأقوم بواجباتي نحوه وهو سيغفر لي فهو غفور رحيم وسعت رحمته كل شيء". اطمأن رامي وظنّ خيرا بالله وعاد إلى طبيعته وحالته التي كان عليها ولكنه الآن أصبح يفهم أن السرقة حرام وأن الإنسان إذا اخطأ يمكن أن يتوب وإذا صدقت توبته يغفر الله له ذنبه.

التفسير النفسي: يصاب الكثير من الأولاد بالفزع والخوف الشديد من الله تعالى وخاصة في أعقاب ما يسمع من قصص وحكايات مقصودة كما حدث مع رامي أو غير مقصودة. يخطئ جميع الأولاد كثيرا عن طريق قيامهم بأعمال ممنوعة أو محرّمة. وإذا لم يخطئوا بالأعمال فربما بالأفكار وإذا لم يخطئوا بأفكارهم فربما أخطؤوا بأحلامهم. باختصار الكثير من الأولاد يدركون أن الله يراقبهم وهو يرى ويعرف كل شيء ولذلك فهم يخافون عقابه خوفا شديدا. لذلك من المفضل أن يقوم الوالدان أو المعلمون أو غيرهم من البالغين القريبين من الأولاد بتقديم الصورة الحقيقية لله تعالى كما فعلت المستشارة التربوية في المدرسة التي يتعلم فيها رامي. وأن الله ليس جبارًا شديد العقاب فحسب بل عفوّ كريم غفور ورحيم أيضًا " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" كما يقول عز وجل. الخوف وخاصة إذا كان مبالغا فيه لا يجدي أي نفع. نحن لا نريد أن نربي أولادا يخافون عقاب الله بقدر ما نريدهم يحبّون الله ينفذون أوامره وينتهون عن نواهيه ليس خوفا من ناره بل حبا له وطمعا في رضوانه. بنفس الطريقة لا نريد أن نربي أولادا يهابون والديهم ويخافون من بطشهم بل أولادا يحبون والديهم ويحترمونهم. من المهم جدًّا أن يتذكر الآباء والأمهات هذه القاعدة بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليهم. تخويف الولد كما فعل والدا رامي في البداية لا يعطي أيًّا من النتائج المرجوّة منها. في حين أن العفو والمسامحة بالمقابل تمكن الولد من التماهي مع الجانب الرقيق والحنون للوالدين وبذلك يتبنى الولد ما يحرمه والداه ليس خوفا بل حبًّا. لن يعود رامي إلى السرقة ليس خوفا من الله ومن والديه بل بسبب حبه لهما وبدافع الرغبة للتماهي مع والديه.