| هل يطلب منا الناس أحيانًا أن نؤذيهم؟ |
| الفصل العاشر |
|
" وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً " (سورة الإسراء، الآية 11) عبد الكريم ولد مشاغب جدًّا. لقد ملت المعلّمة الجلوس معه ونصحه وتوجيهه من أجل إعادته إلى الصراط المستقيم. في البداية تحدّثت معه عن تصرفاته التي لا تليق بالصف. بعدها حولته إلى المستشارة التربوية ولكنه رفض التعاون معها. تحدثت عدة مرات مع والديه. أما اليوم فقد بلغ السيل الزبى. وقد روت المعلمة القصة إلى والديه قائلة: " في يوم الثلاثاء الماضي تغيبت عن المدرسة فاستدعت المديرة معلمة بديلة. في ذلك اليوم تجاوز عبد الكريم كل الحدود والقوانين. فقد ضايق زميلته رنا ووجه لكمة إلى وجه زميله علاء الدين، وطعن زميلته ريما بقلم مبريّ وعندما لم تنجح المعلمة في ضبط سلوكه طلبت منه أن يخرج من الصف وأن يتوجه إلى المديرة. في هذه اللحظة بدأ يشتم المعلمة أمام جميع طلاب الصف. ثم قال لها : "أنا لا أريد أن أخرج من الصف. ماذا ستفعلين بي؟! استدعت المعلمة البديلة المديرة وعندما حضرت امتثل عبد الكريم لأمر المديرة التي اقتادته إلى مكتبها وهناك قررت فصله عن المدرسة لمدة يومين وفرضت عليه كتابة بحث في موضوع الدرس الذي أفسده على الطلاب . وافق عبد الكريم على أن يتحمل العقاب ولكنه عندما جلس في المكتبة لتحضير البحث المفروض عليه، لم يقم بأي عمل بل كان تواجده في المكتبة مجرد تضييع للوقت. الآن ، والمديرة والمربية تجلسان أمام والدي عبد الكريم وتقصان عليهما أعماله السيئة غضب الأب كثيرا وقال: "يجب أن تفرض على ابني عقوبة أكبر، لا أجد ما يلائم عبد الكريم أكثر من الآية الكريمة رقم 11 من سورة الإسراء والتي يقول فيها تعالى: " وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً " إنّ ابني يطلب أن نعاقبه فعلا بعقوبة أشدّ وإلا فانا لا افهم تصرفه". سارعت المديرة وأضافت إلى أقوال الوالد : " لشدة جهل الإنسان يدعو على نفسه بالشرّ مثل ما يدعو لها بالخير، ولكن من حكمته تعالى ورحمته على الإنسان أن الله تعالى يستجيب للإنسان في دعائه بالخير ولا يستجيب له بدعائه على نفسه بالشرّ. التفسير النفسي: يقول لنا القرآن الكريم بأنَّ هناك أولاد وبالغين من يتأمّلهم عن بعد لا يستطيع إلا أن يستنتج بأنهم فعلا يطلبون بكل شكل من الأشكال أن نعاقبهم. أحيانًا نسمي هذه الظاهرة ميلا مازوخيًّا (الميل إلى تعذيب الذات). الإنسان المصاب بهذه الحالة يستمتع عمليا من كون الآخرين يعذبونه نفسيا وجسديا وهو يعمل المستحيل من أجل أن يحصل على مثل هذه المعاملة. لهذا السلوك توجد جذور عميقة وهي ليست عفوية أو وليدة الصدفة. أحيانًا أخرى تكون هذه الطريقة أو الوسيلة التي يحصل بواسطتها الولد أو البالغ على اهتمام بيئته المحيطة به أو الالتفات إليه. وهو لا يعرف طريقة أخرى للحصول على ذلك. من المحتمل أنّه في طفولته كانت هذه الطريقة التي لفت بها أو حصل بواسطتها على اهتمام والديه. إذ انه لو لم يكن يشاغب ويكسّر ويخرّب لما كان يلتفت إليه أحد. في مثل هذه الحالات يفضل الأولاد الحصول على العقاب أو المعاملة القاسية بدلا من أن لا يحصلوا على أي اهتمام أو التفات من جهة والديهم. من المحتمل أن عبد الكريم كان من هذا النوع من الأولاد. وهو، حتى لا يعرف، بأنه يمكنه الحصول على تعامل جيد وايجابي نتيجة لتصرف جيد وايجابي. كل ما يريده هو أن يعيروه الاهتمام وأن يلتفتوا إليه وهو لا يعرف طريقة أخرى للحصول على ذلك. في مثل هذه الحالات العقاب لا يحلّ المشكلة دائما لأنّ العقاب يخلّد الدائرة المفرغة التي يتحرك داخلها الولد. بدلا من ذلك الصدر الدافئ والتعامل بحرارة وتقديم الشروح وعرض الطرق البديلة للحصول على الاهتمام هي الحل الأمثل. إذ أن والد عبد الكريم ومحيطه يعاقبه منذ زمن طويل دون فائدة. لذلك لا بد لنا من تجربة طريقة أخرى غير الطريقة التي اقترحها والده. |