رئيسي قرآنت الفصل العاشر ماذا نقول لمن يحاول أن يفطم نفسه عن المخدرات؟
ماذا نقول لمن يحاول أن يفطم نفسه عن المخدرات؟
الفصل العاشر

" وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ" (سورة هود، الآيتان 10-11)

كان أبو فؤاد مدمنا على تعاطي المخدّرات لمدة سنوات طويلة، وفي أحد الأيام قرر أبو فؤاد أن يخرج من هذا المستنقع. توجه إلى مركز فطام ومكث فيه مدة سنة تقريبا عاد في نهايتها "نظيفا". اعترف أبو فؤاد أمام ابنه بأنَّ هذه السنة كانت من أصعب أيام حياته، وذلك لأنّ المخدّرات مكثت في جسمه سنوات طويلة وكان مدمنا عليها جسديا ومتعلقا بها نفسانيا.

يشرح أبو فؤاد لأولاده بأنهم الآن في السن الأكثر خطرًا في حياتهم وأن القرارات التي يتخذونها الآن يمكن أن تؤثّر على مستقبل حياتهم سلبا أو إيجابا. على سبيل المثال، فقد بدأ هو نفسه بتعاطي المخدرات عندما كان دون العشرين من عمره. حاليا يرافق أبو فؤاد أولاده في كل خطوة لكي لا يُلدَغ أحدهم من نفس الجُحر مرة ثانية. أما أولاده فيحكون له عن الصعوبات التي يواجهونها من ضغط زملائهم وأصدقائهم لكي يشاركوهم التدخين مثلا وهو من جهته يشدّ على أياديهم ويشجعهم لكي لا يخضعوا ويستسلموا لهذه الضغوط.

يحمد أبو فؤاد ربه ليل نهار على وقفته إلى جانبه وتخليصه من مستنقع المخدرات وفتح صفحة جديدة وأن أصبح إنسانا مختلفا. "كنت إنسانا ضارًّا لنفسه وعائلته ومجتمعه، أما الآن فأنا إنسان عامل وعضو نافع في المجتمع. لقد ولدت من جديد نظيفا من كل سوء". كان يردد هذه الكلمات مرارا وتكرارا على مسامع أولاده. كما حدّث ابنه كيف أنّه خلال عملية الفطام الصعبة كانوا قد حذّروهم من اللحظة الأولى من أن يغتروا بأنهم الآن "نظيفون" من المخدرات وبأنهم قادرون على تمالك أنفسهم وعدم العودة إليها، وقد تدفعهم أنفسهم الأمّارة بالسوء إلى أن يجربوا المخدرات مرة أخرى واحدة فقط وأنهم لن يعودوا إليها وإذا بهم يجدون أنفسهم يسبحون عميقا في ذلك المستنقع. في مركز الفطام كانوا يحذّرونهم كثيرا من مجرد التفكير بالعودة إلى هذه التجربة ومن أجل ذلك كانوا يستعينون كثيرا بالآيتين الكريمتين رقم 10- 11 من سورة هود والتي يقول فيهما عز وجل: " وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ". يقول تعالى: إذا خلّصنا الإنسان من الضيق والشدائد التي يعاني منها يفرح ويبطر بنعمة الله ويبالغ في الفخر والتعالي والاعتداد بالنفس لكن هذا ليس سلوك الصابرين الذين يعملون الصالحات والذين يكون أجرهم عظيما عند الله.

التفسير النفسي: من طبيعة الإنسان أن يفكر بأنَّ الحرب قد انتهت وأنّه يمكنه أن يعود إلى طبيعته وحياته العادية. ولكن من كان ذات مرة مدمنا على المخدرات فإنَّ معركته لا تنتهي أبدًا. في كل مطلع شمس عليه أن يذكّر نفسه بأنه قام ليوم جديد، يوم تتجدد فيه معركته التي يجب عليه أن ينتصر فيها. إن الهزيمة في هذه المعركة تعني فقدان المستقبل وربما فقدان الحياة. ولكن ما يحدث هو أن يغترّ الشخص ويعتقد أنه نظيف ويتباهى بأنه يستطيع ضبط نفسه ولو أنّه جرب مرة أخرى لاستطاع أن يخرج منه سليما ولكنه سرعان ما يقع في الشرَك مرة أخرى. أبو فؤاد يعلّم ابنه أن ما يبدأ بسيجارة يمكن أن ينتهي بشكل صعب جدًّا. وأنه عليه أن يقف في وجه الإغراءات وأن يكون قويا يصمد أمام كل الضغوط الجماعية. وأنّه لا يوجد أي سبب في الدنيا يجعلنا نخرب أجسامنا وصحتنا التي وهبنا الله تعالى، بواسطة الدخان أو غيره. الكثير من الأولاد كان عليهم أن يتحدثوا مع أبي فؤاد لكي يفهموا منه لماذا عليهم أن لا يستسلموا للضغط الجماعي أو للإغراءات وبالذات أن لا يفكروا للحظة بأنَّ الخطر قد زال. وهذا ما يقوله تعالى في الآيتين المذكورتين أعلاه.