| ماذا يكتب الضابط الذي يحقّق مع الأحداث على حائط مكتبه؟ |
| الفصل العاشر |
|
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " (سورة المائدة، الآية 2) عليّ طالب في الصف الثامن وهو يتزعم مجموعة من الفتيان عرف عنها أن تقوم بأعمال تخريب في أملاك المدرسة وتعتدي على الطلاب وتعمل كل ما يخطر ببال أفرادها. يخرج عليّ من الصف ويتسكع دون هدف في ساحة المدرسة. وبعدها يستدعي أصدقاءه فيخرجون واحدا واحدا بذرائع مختلفة أو يتسللون من صفوفهم أثناء الدروس وينضمون إلى زعيمهم عليّ. وبعد أن يلتئم شملهم يقومون بأعمال تكسير لشبابيك المدرسة وتخريب حنفيات الشرب والحفر على الطاولات والكراسي. في كل صباح تدور معركة بين عليّ ووالديه لإقناعه بأنَّ ينتظم في الدوام المدرسي إلا انه يرفض، وعندما يتجاوب أحيانًا ويذهب إلى المدرسة يخرّب ويكسّر ولا يتعلم. في الأسبوع الماضي تورط عليّ في أخذ وردّ مع أحد المعلمين لأنه لم يسمح له بالخروج أثناء الدرس. قرر عليّ أن ينتقم من هذا المعلّم. جمع عليّ كل زمرته وهجموا على سيارة المعلّم وراحوا يفجرون إطاراتها ويجرحون دهانها ووضع أحدهم دبقا في ثقب المفتاح وما إلى ذلك وعندما انتهوا من مهمتهم هربوا فارين من المدرسة. تم التحقيق في الحادث في المدرسة بمساعدة الشرطة. فتبين أن عليّا وزمرته هم المسئولون عن هذا الحادث كما أنهم اعترفوا في نهاية التحقيق. بعد الاعتراف والانتهاء من التحقيق قال لهم الضابط المحقق قائلا : " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " ثم سأل إذا كان احدهم يعرف من أي سورة أخذت هذه الآية لكن أحدًا منهم لم يعرف. عندها كشف لهم أن هذه جزء من الآية رقم 2 من سورة المائدة وهو كثيرا ما يستعملها مع عصابات الإجرام لكي يرتدعوا عن غيّهم. التفسير النفسي: تناسب هذه الآية عصابات أبناء الشبيبة أو حتى الشباب الذين يتجاوزون القانون ويقومون بأعمال لا أخلاقية تصل إلى حد الإجرام. تشجع هذه الآية مثل غيرها من الآيات الكثيرة على التعاون من أجل عمل الخير وليس من أجل القيام بالأعمال الشريرة. كثير من الأولاد وبالذات الذين تربوا في بيوت ظُلموا فيها أو ضُربوا وأهينوا يميلون إلى تطوير مثل هذه العلاقات في حياتهم. حيث ينضمون إلى زعيم "شلة" أو عصابة يخوّفهم ويفرض عليهم القيام بأعمال التخريب والسرقة والاعتداءات. عندما يكون الخوف من "الزعيم" أقوى من الخوف من القانون فإنَّ الباب يكون مفتوحا على مصراعيه للجنوح إلى الجريمة. أبناء الشبيبة يستعيدون بين الحين والآخر التجربة القاسية التي عاشوا في إطار عائلاتهم. التعاون من أجل عمل الخير لا يحتاج إلى هرم في رأسه زعيم شرس يهين ويضطهد بل إلى علاقات دافئة حميمية بين أعضاء المجموعة. والذين ينضمون إلى مثل هذه الجماعات التي تتطوع للخدمة الاجتماعية ولمساعدة العجزة والمرضى والمساكين يتحدثون عن التجربة الرائعة التي يعيشونها خلال عملهم والتي كانت من نصيبهم في صغرهم في إطار عائلاتهم. القرآن الكريم واضح وصريح في نوع العلاقة التي يريدها والتي يأمر بها. يدعو القرآن الكريم دائما إلى علاقات دافئة وحميمية والتي فيها يتطوع الفرد لخدمة المجتمع. ربما من المفضل لو أن ضابط التحقيق اختار أن يعلق على حائط مكتبه في مركز الشرطة هذه الآية الكريمة " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " بخط كبير وبارز تلفت انتباه كل من يدخل غرفته. |