رئيسي قرآنت الفصل التاسع ما هي الحدود بين الممتع والمحرّم ؟
ما هي الحدود بين الممتع والمحرّم ؟
الفصل التاسع

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (سورة المائدة، الآية 87)

عليّ ووليد وكمال هم ثلاثة أصدقاء يسكنون في نفس الحيّ. توجّه مندوب عن سكان الحي إلى المستشارة التربوية في المدرسة بشكوى ضد هؤلاء الأولاد الثلاثة متهمًا إيّاهم بأنهم يزعجون سكان الحي ويقلقون راحتهم. فهم طوال الوقت يجوبون الشوارع يلعبون بالكرة وغيرها ولا يتوقفون عن مضايقة الناس حتى في ساعات القيلولة وحتى في ساعات الليل المتأخرة. استدعت المستشارة الأصدقاء الثلاثة إلى مكتبها. ضيّفتهم المستشارة بقطعة حلوى وتحدّثت معهم حول لعبهم في الحيّ. اعترف الأصدقاء الثلاثة بأنهم فعلا يقومون باللعب في الساعات غير المألوفة. استغلت المستشارة اعترافهم وتناولت من أحد رفوف مكتبتها المصحف الشريف وفتحته على سورة المائدة وقرأت على مسامعهم الآية رقم 87 والتي يقول فيها عز وجلّ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". ثم عقبت قائلة: لكل عمل وقته، هناك وقت للدراسة وحل الوظائف البيتية وهناك وقت للهو واللعب وعلينا أن نحافظ على توازن صحيح بين الدراسة واللعب وأن نعطي كلا منهما حقّه". خجل الأصدقاء من أعمالهم الصبيانية والتي تزعج وتضايق سكان الحيّ ووعدوا بأن لا يعودوا عليها أبدًا وأن لا يضايقوا الجيران أو أي ساكن من سكان الحيّ. كما أنهم اقترحوا بمبادرة منهم أن يتوجهوا إلى مندوب الحيّ الذي تقدّم بالشكوى إلى المستشارة ويطلبوا منه أن ينقل اعتذارهم إلى جميع الجيران الذين تضايقوا من تصرفاتهم.

التفسير النفسي: في كل موضوع من مواضيع الحياة يجب علينا أن نحافظ على التوازن السليم بحيث لا يكون الشيء أكثر من اللازم أو أقل من اللازم إنما باعتدال فخير الأمور الوسط كما يقال. وهذا ينطبق على الطعام واللباس والأصدقاء وعلى كل شيء. وقد أحسنت المستشارة التصرف عندما استعملت هذه الآية وأوصلت الأولاد رسالة التوازن الصحيح المهمة. كان بإمكانها أن تعنفهم أو تؤنبهم على تصرفاتهم السيئة. وكان بإمكانها أن تتجاهل شكوى الجيران. ولكنها اختارت الطريق الوسط طريق التوازن بين الممتع وبين الممنوع. قالت للأولاد بأنه يحقّ لهم أن يلعبوا ويستمتعوا وحتى من المفيد والصحي أن يلعبوا ويستمتعوا لأنّ هذه الألعاب ليست اقل أهمية لتطورهم الجسماني والعقلي من الدراسة والتعلّم. هذه هي الأمور التي رخّص الله بها للمؤمنين ولم يحرم عليهم اللهو واللعب البريء والمتوازن والذي لا يقترن بخطأ أو خطيئة أو يضرّ بأحد. لقد وضّحت لهم المستشارة الخط الذي يفصل بين الخير والشر بين المسموح والممنوع. من المهم أن ينتبه الوالدين دائما إلى هذه القاعدة التي استعملتها المستشارة. أي عندما يقول الآباء لأولادهم ما هي الأمور الممنوعة من المفضل دائما أن يقولوا لهم ما هي الأمور المسموحة، إذ بدون ذلك يخيل للأولاد أحيانًا بأنَّ كل شيء ممنوع. كثير من الآباء يتعاملون مع أبنائهم بسلطوية وفرض صلاحيات وبالأمر والنهي أي يركزون على "لا" وعلى "ممنوع". وها هو القرآن الكريم يفرض علينا أن لا ننسى أن نقول لهم ما هو المسموح لأنّ الله يريدنا أيضًا أن نستمتع وأن نشعر بالسعادة.