رئيسي قرآنت الفصل التاسع الله غفور رحيم والإنسان لا؟
الله غفور رحيم والإنسان لا؟
الفصل التاسع

" فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (سورة المائدة، الآية 39)

العلاقات بين رانية وصديقتها أسمهان تتوثق وتتوطّد وهذا ما كانت ترجوه رانية طوال سنوات. يبدو أن صديقتها أنوار كانت على حق عندما قالت لها لكي تحققي ما تريدين عليك أن تخططي جيدا وأن تكذبي. ابتهجت رانية وأنوار وهما معجبتان بدهائهما: " ما أكثر دهاءنا! كيف نجحنا في خداع أسمهان وتقريبها إلينا".

بدأت القصة في رحلة آخر السنة في السنة الماضية. كانوا يبحثون عن ممرض كي يرافق الرحلة. اقترحت رانية على ابن عمها خالد الذي أنهى دورة تمريض أن ينضم إلى الرحلة كممرض مقابل أجر معلوم. فعلا، سُرّ خالد بهذه الفرصة التي أُتيحت له وانضم كممرض مرافق للرحلة. أثناء الرحلة عرّفت رانية بنات صفها على خالد ابن عمها الفتى الجميل والأنيق، وقد تحول فورا إلى فتى أحلام جميع البنات. أما أسمهان فكانت أكثرهن تعلقا به حتى أنها لم ترفع نظرها عنه طوال الرحلة.

أدركت رانية أن هذه فرصتها للتقرب من أسمهان وتحولها إلى صديقة لها. راحت رانية تسأل أسمهان بطريقة غير مباشرة عن رأيها في ابن عمها، خالد. أجابت أسمهان بأنه جميل جدًّا، وسألت عن عمره وفي أي مستشفى يعمل. قالت لها رانية بأنه ابن ثلاث وعشرين سنة يعمل في مستشفى البلد ويتعلم في كلية التربية القريبة من البلد.

في أحد الأيام اقتربت رانية من أسمهان وهمست في أذنها بأن ابن عمها، خالدا، حمّلها سلاما إليها. دبّ الحماس في روح أسمهان وسألت بانفعال كبير: "هل ما زال يذكرني؟!". أجابت رانية بأن ابن عمها يذكرها بكل تأكيد وبأنه يقول بأنَّ أسمهان هي أجمل بنت رآها في حياته. اهتمت أسمهان وسألت ما الذي جعلهم يذكرونها في حديثهم فاختلقت رانية قصة أجابت بها عن تساؤل أسمهان. منذ ذلك اليوم وجدتا موضوعا مشتركا للحديث ألا وهو خالد، وقد تحدثن عنه كثيرا وفي كل يوم تقريبا.

استدعي خالدا هذه السنة أيضًا لمرافقة الرحلة السنوية كممرض. انتظرته أسمهان بالقرب من الباص. وعندما وصل خالد لم يلتفت إلى أسمهان. شعرت بالإهانة ولكنها بحثت له عن مبررات إذ قالت لنفسها ربما أنّه لم يرها. لذلك أخذت نفَسا عميقا وتقدمت إليه:

أسمهان: صباح الخير، خالد.

خالد: صباح الخير.

أسمهان: صباح الخير فقط؟

خالد: ماذا تريدين مني يا بنت؟

أسمهان: (شعرت أسمهان بالإهانة الشديدة) أنا أسمهان!

خالد: من أنت يا أسمهان؟ هل نعرف بعضنا ؟

أسمهان: نعم، أنا صديقة رانية!!

خالد: أنا لا أفهم ما الذي تريدينه مني. معذرة، يجب علي أن انصرف.

غضبت أسمهان غضبا شديدا على رانية وصرخت في وجهها ونعتتها بالكذابة وقالت لها بأنها لا تريد أن تراها أو تعرف عنها شيئا بعد اليوم. في هذه اللحظة فقط أدركت رانية حجم الخطأ الذي ارتكبته. فقد عبثت بمشاعر أسمهان لكي تتقرب منها، لم تعرف رانية ما العمل. شعرت بالذنب وكانت محتارة كثيرا ومرتبكة: كيف تصلح علاقتها بأسمهان؟

توجهت إلى أسمهان التي لم ترد أن تصغي إليها ولكنها اعتذرت ووعدت بعدم تكرار ذلك وهي تقول : "كل ما أردته هو أن أكون صديقة لك"، ثم أضافت: " فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " وهنا أصغت أسمهان إلى الآية الكريمة وقالت "صدق الله العظيم". ولسان حالها يقول إذا كنت تعترفين بذنبك وتتوبين عنه فإنني أسامحك وأعفو عنك كما يفعل عز وجل مع السارقين الذين يتوبون عن السرقة والذين تكون توبتهم صادقة نصوحة.

التفسير النفسي: منية نفس رانية أن تصبح صديقة لأسمهان، ليست سيئة، في الحقيقة. لكن الطريقة التي استعملتها لتحقيق منيتها كانت سيئة بل وسيئة جدًّا. وهّمت رانية أسمهان بأنَّ ابن عمها يفكر فيها (يحبها). ربما فكرت رانية أنها في يوم من الأيام يمكن أن تساعد على الجمع بين صديقتها وبين ابن عمها. من الواضح أن بناء هرم من الآمال على الرمال المتحركة لا يساعد على بناء مجتمع سليم بل يهدم أوصاله. وفعلا فقد كانت صدمة أسمهان وخيبة أملها كبيرة جدًّا. هل بهذه الطريقة يمكن أن نكسب الصداقة الحقيقية؟ لا بكل تأكيد لأنّه مهما طال الوقت فلا بد للحقيقة إلا أن تظهر ويتفرقع الكذب في وجه صاحبه. ماذا فكرت رانية إلى متى يمكنها أن تعبث بأسمهان وأن تختلق لها القصص دون أن تكتشف الحقيقة؟ حاولت رانية أن تبني علاقة مع أسمهان على أساس زائف ومثل هذا البناء ينهار سريعا على من بناه. ولكن للحقيقة نقول بأنها أحسنت التصرف في النهاية مع اكتشاف الخدعة إذ ندمت على فعلتها ثم توجهت إلى أسمهان واعتذرت لها وطلبت منها العفو والصفح واستعانت من أجل ذلك بالآية الكريمة لتدل على صدق نواياها المستقبلية لأنّ التوبة النصوح يجب أن تكون مبنية على الندم على ما فعلت والوعد الصادق بعدم العودة إلى ما فعلت. وقد قبلت أسمهان توبتها كما يفعل الله مع التائبين عن السرقة عندما تكون توبتهم نصوحة.