| ماذا نقول لمن لا يسمح له والداه بأن يتعلم الموضوع الذي يحبّه؟ |
| الفصل الثامن |
|
" يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون" (سورة يس، الآية 30) محمد طالب في الصف العاشر وهو طالب مجتهد. السنة الدراسية على عتبة نهايتها، وهذا هو الوقت الذي يختار فيه الطالب الفرع الذي يتخصص فيه في السنة الدراسية القادمة،في المدرسة الثانوية. والدا محمد يضغطان عليه لكي يسجل للفرع العلمي. محمد طالب ممتاز وهو متفوّق في جميع المواضيع ولكنه يفضل الاتجاه الأدبي، إذ أنّه يفكر في التخصص في اللغات، كما أنّه يحب كثيرا الرسم والنحت. أما والداه فيسخران ويستهزئان بهذه المواضيع ويقولان له ويعيدان بأنَّ هذه المواضيع هي مواضيع تافهة عليه أن يبتعد عنها وأن يفكر في مستقبل جدي وزاهر في مجال الطب أو الهندسة. تحدّث مربي الصفّ مع محمد وفهم ضائقته وأراد أن يساعده. فتح المربي المصحف الشريف على سورة يس وقرأ الآية 30 والتي يقول فيها تعالى: " يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ". أدرك محمد الطالب النجيب فورا ما قصده المربي وراح يشكره: "شكرا جزيلا، يا أستاذي الفاضل، على تشجيعك لي واهتمامك بي". قال المربي: حتى الرسل (عليهم صلوات الله وسلامه) استهزأ بهم أهلهم، وسخروا منهم ولك في سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد أسوة حسنة، وما عليك إلا أن تصبر كما صبروا وأن تحاول إقناع والديك كما فعل الرسل، حتى يتحقق لك ما تريد. وحتى إذا لم يوافقوا فعليك أن لا تتخلى أو تتنازل عن ميولك وهواياتك ومواهبك. عليك أن تواصل تطويرها وتنميتها حتى وأنت تتعلم الطب أو الهندسة (ولكن إياك إياك أن تهمل في دراستك) فمن يدري نحن نعرف الكثير من الأطباء والمهندسين الذين تركوا مهنة الطب أو الهندسة ورجعوا يشتغلون في المواضيع التي أحبوها: في السياسة أو الفن أو التمثيل وما شابه. التفسير النفسي: مشكلة محمد ظاهرة مألوفة لدى الكثير من العائلات. يريد الوالدان أن يتعلم ابنهم (أو بنتهم) موضوعا أو مهنة يرون أنها مناسبة أكثر أو مربحة أكثر من الناحية الاقتصادية أو أنها ذات مكانة أعلى في نظرهم (ونظر المجتمع حولهم)، في حين يفكر الطالب (أو الطالبة) أو يميل أو يحب موضوعا آخر. اختيار المهنة أو موضوع التخصص مثل اختيار شريك أو شريكة الحياة. في المجتمعات الغربية المعاصرة من المألوف أن يقوم الشاب أو الفتاة باختيار شريكة حياته أو شريك حياتها، أما في المجتمعات التقليدية فإنَّ هذا القرار يتخذ صبغة عائلية من منطلق أن الفرد ليس مستقلا بل هو جزء من العائلة وأن اختياره يمكن أن يسيء إلى العائلة أو سمعتها وما شابه. لقد أجاد المربي الذي قام بتشجيع محمد على أن يحاول إقناع والديه وأن لا ييأس مستعينا بالآية الكريمة التي تجعله يتخذ من الرسل قدوة له كما أعطاه حقنة أمل وقال له أن يحافظ على هواياته وميوله وينميها حتى لو لم يفلح في إقناع والديه فمن يدري ربما حالفه الحظ واستطاع أن يحقق هواياته إلى جانب كونه طبيبا أو مهندسا. |