| كيف نشجع الإنسان على ضبط نفسه وكبح جماحها؟ |
| الفصل الثامن |
|
" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ" (سورة الحِجر، الآيتان 97- 98) الأستاذ سمير هو معلم لموضوع الرياضيات في إحدى المدارس الثانوية. يشهد الجميع للأستاذ سمير بأنه يبذل كل ما في وسعه من أجل طلابه. فهو يتنقل بين الطلاب يتأكّد من أن كل واحد منهم قد فهم الدرس. في أحد الأيام عندما دخل إلى الصف بعد امتحان البغروت (التوجيهي) حدث هرج ومرج في الصف. ادعى الطلاب بأنَّ امتحان البغروت كان صعبا جدًّا وأنّه هو المسئول عن ذلك. غضب الأستاذ سمير وطلب من الطلاب أن يجلس كل واحد في مكانه. في هذه اللحظة تهجّم عليه أحد الطلاب وصرخ في وجهه وقال له كلمات غير مألوفة وغير مقبولة. غضب الأستاذ سمير ولكن لأنه يحب طلابه كثيرا لم ينبس ببنت شفة وكل ما قاله لهم " شكرا على معاملتكم لي" ثم خرج من الصف. خرج طلاب الأستاذ سمير الذين يقدرونه ويحبونه راكضين وراءه واعتذروا له عما قاله زميلهم. أما الأستاذ فلم يردّ. عندها وقف أحمد وهو أحد الطلاب المؤدبين جدًّا في الصف والمعروف بكثرة تلاوته وحفظه لأجزاء كثيرة من القرآن الكريم، وتوجه إلى أستاذه سمير قائلا له: صحيح أن الطلاب تكلّموا معك بشكل مزعج ومثير للغضب. ولكنني أريد أن أقول لك شيئا أرجو أن تتذكره دائما لأنّ الله تعالى يعلم أنك تعطي طلابك من كل قلبك. فإنه سيبقى دائما هناك طلاب يتفوهون بكلمات ليست في مكانها. في مثل هذه الحالات أرجو أن تتذكر ما يقوله عز وجل في سورة الحِجْر " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ" عندها ضم الأستاذ سمير الطالب أحمد إلى صدره وقال له: " إنك، يا أحمد، حقا، طالب نبيه". التفسير النفسي: تمرّ مع كل واحد منا حوادث كثيرة في الحياة فيها يقال لنا أو عنا أشياء مسيئة وغير صحيحة وغير لائقة. وهذا ما حدث مع الأستاذ سمير. هل هو حقا مسئول عن صعوبة امتحانات البغروت التي تكتب في وزارة التربية والتعليم ولا أحد من المعلمين يراها إلا في يوم الامتحان ؟ اعتذر الطلاب للأستاذ سمير إلا أن الإساءة كانت غير متوقعة وكبيرة لم يتمكن الأستاذ من التحرر منها وخاصة أنها جاءت من طلابه الذين يحبهم ويضحي بكل ما يمكنه من أجلهم. الشيء الذي ساعد سميرا على أن يتغلب على غضبه ويقبل اعتذار الطلاب هو الآيتان من سورة الحجر اللتين ذكّره بهما طالبه النجيب أحمد. طبعا الآيتان في الأصل موجهتان إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فيهما يقول تعالى: لقد نعلم بانقباض صدرك يا محمد بسبب يقوله المشركون فيك وفي دعوتك، والله يقول له في مثل هذه الحالة من ضيق الصدر ما عليك إلا أن تتمالك نفسك وتفزع إلى ربك تسبّح بحمده فإنَّ في ذلك ما يكفيك ما أهمّك. ضبط النفس وكبح جماحها ليس من الأمور السهلة ولا يأتي من تلقاء نفسه. في بعض الحالات يكون صعبا جدًّا، ومع ذلك فإنَّ القدرة على ضبط النفس وكبح جماحها من الأمور المهمة للإنسان. إذ لولا ذلك لنجح كل واحد في إخراجنا عن طورنا ويدفعنا لنقوم بتصرفات لا نرضاها لأنفسنا . بهاتين الآيتين أعاد الطالب أحمد الأستاذ سميرا إلى امتلاك حريته والتحكم بنفسه الغاضبة، هكذا حصل الأستاذ على حريته واستقلاله وأصبح سيّد نفسه بدلا من الغضب الذي استولى عليها. لم يعد الغضب ولا كلمات طلابه هما سيدا الموقف وهما المتحكّمان بتصرفاته وفعلا القرآن الكريم يشجع الناس على أن يحقق استقلاله وأن لا يخضعها للغضب بل يتحكم هو بها ويكون سيدا عليها. |