| كيف نبعث الأمل في نفس بنت تنكِّل بها زوجة أبيها؟ |
| الفصل الثامن |
|
" وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ " (سورة إبراهيم، الآية 42) توجّهت شيرين الطالبة في الصف الحادي عشر إلى المستشارة التربوية في المدرسة وطلبت منها تحديد موعد لجلسة معها حول موضوع شخصي جدًّا. المستشارة: أنا هنا من أجل مساعدتك بإمكانك أن تطلبي كل ما تريدين، وأنا سأحاول أن أعمل كل ما بوسعي. شيرين: المشكلة صعبة جدًّا ولا أدري من أين أبدأ. لم يسبق لي أن تحدثت عن ذلك مع أي إنسان ... أنا لا أريد أن يعرف أحد بذلك ... المستشارة: يمكنني أن أؤكد لك بأنَّني لن أخبر أحدا، مع أنني أحيانًا من أجل أن أستطيع مساعدتك علي أن أستعين ببعض أعضاء الطاقم التربوي في مواضيع معينة. ولكن بناء على طلبك فإنَّني أعدك أن لا أقدم على أي خطوة كهذه قبل أن أطلعك وأتشاور معك. ويسرني أنك قررت أن تأتي للتحدث والتشاور معي. شيرين: الحقيقة هي أنني أعاني من مشكلة كبيرة في البيت. لا أدري ماذا أقول لك فأنا أعيش في جحيم حقيقي، ولا أعرف ماذا أفعل ... (أجهشت شيرين بالبكاء. قدمت لها المستشارة كأس ماء. أخذت شيرين نفسا عميقا ثم واصلت الحديث) أمي توفيت قبل أربع سنوات. عشت سنة كاملة مع أبي. كانت حياته صعبة وكان من الصعب عليه أن يعتني بي وأن يقوم بجميع الأعمال المنزلية بالإضافة إلى عمله طوال النهار. قبل سنة قرر أن يتزوج ... تعرّف على فتاة واختارها لتكون شريكة حياته وأمًّا لي. أحضرها إلى بيتنا كي تتعرف عليّ. كانت لطيفة جدًّا ضمتني إلى صدرها ... وشعرت فعلا أن الحب والحنان سيعودان إلى هذا البيت وأن صورة الأم التي فقدتها ستعود لتملأ البيت حبا وحنانا ... إلا أن شيئا من هذا لم يحدث. فرحتي لم تدم إلا أيامًا معدودات، طارت بعدها من الشباك وراء أمي ... بعد عدة أيام من زواج أبي اكتشفت أننا أدخلنا إلى بيتنا أفعى. عندما يكون أبي موجودا في البيت تكون رقيقة ناعمة من ألطف نساء العالم. وفي غيابه لا أسمع منها إلا الصراخ والكلمات النابية ... فهي غاضبة عليّ على الدوام ... أقوم بكل الأعمال في البيت لكي أحافظ على جو هادئ في البيت. أساعدها أرتب غرفتي وأنظفها، وما كان يزيدها هذا إلا غضبا وصراخا. أنا لا أرغب في إدخال أبي في الموضوع لأنني أرى أنّه سعيد معها وهي تعامله بشكل جيد. خطر ببالي عدة مرات أن أهرب من البيت ولكنني فكرت بأبي فلم أستطع أن أقدم على ذلك. توجهت إليها وقلت لها بأنني أريد أن تكون علاقتنا جيدة وأن نكون صديقتين. ولكنها قالت لي بأنني أضايقها وأنا لا أسمح لها بأن تعيش بهدوء وحرية ... الآن أنا منزوية كل الوقت في غرفتي أو أزور صديقاتي كما أمضي أياما كثيرة عند جدتي لكي أوفر لها الحرية التي تريدها. ومع ذلك لم يتغير شيء فأنا عندما أعود إلى البيت فهي تظهر لي كم تستطيع هذه الإنسانة أن تكون قاسية وشريرة. اقترحت المستشارة على شيرين أن تتحدث مع والدها إلا أن شيرين أصرت على أنها لا تريد إقحام والدها أو أي فرد من أفراد العائلة في هذا الموضوع. إنها على يقين من أنّه " لا يوجد حل وأن شيئا ما لن يستطيع تغيير هذه المرأة، وكل ما أريده هو أن أحافظ على سعادة أبي وأن يحيا حياة هادئة حتى وإن دفعت أنا الثمن". شعرت المستشارة بأنها لا تملك أن تقترح عليها حلا سوى أن تحاول الحديث مع والدها وزوجته. لذلك تحوّلت إلى الحديث معها حول كونها صبية وهي على وشك أن تتزوج وأن تغادر بيت والدها إلى حياتها الخاصة. وعندها تقرر مع من تعيش وتبني حياتها وفق ما تراه مناسبا لها ولزوجها. لذلك "عليك أن تصبري حتى يحقق الله لك السعادة والهدوء في بيت زوجك. أما هذه المرأة فسيأتي يوم يكتشف فيها والدك حقيقتها وسيعاقبها عقابا شديدا جلبته هي بيدها على نفسها أو كما يقول المثل "على نفسها جنت براقش". وهذا الشيء لا بدّ حاصل لأنّ الله يمهل ولا يهمل والله تعالى يقول في سورة إبراهيم الآية 42 " وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ " أي أنه مهما طال الأمد فإنَّ الحساب والعقاب آتيان لا محالة. كما وعد الله نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام بقوله لا تحسبن الله غافلا عما يعمله الظالمون من التكذيب بك وغيره، إنما يؤخر عقابهم إلى يوم تشخص من هوله الأبصار". التفسير النفسي: الأولاد الذين يعانون من تنكيل والديهم أو أحدهما أو أفراد عائلاتهم أو زملائهم أو غيرهم ينتظرون اليوم الذي فيه يكبرون ويمكنهم الخروج من تحت سلطة من ينكّلون بهم. في حالات قليلة ومتطرفة جدًّا تقرر الدولة إخراج قاصر من تحت سلطة والديه ونقله إلى عائلة أخرى أو إلى ملجأ خاص. في معظم الحالات يعاني الأولاد بصمت طوال سنوات طفولتهم الطويلة والصعبة يراودهم الأمل الوحيد بأنَّ يصلوا إلى السن التي فيها يمكن التحرر من سطوة أهلهم والخروج من البيت. ماذا تستطيع مربية أو مستشارة تربوية أن تقول لفتاة مثل شيرين؟ فهي لا تستطيع أن تغيّر مصيرها وفي حالات كثيرة لا تستطيع أيضا أن تؤثّر على والديها كي يغيروا معاملتهم لها. من الواضح أنّه من المفضل دائما أن نحاول مع الشخص المنكّل. لذلك من المؤسف أن المستشارة استسلمت بسرعة لرغبة شيرين وإصرارها على عدم إقحام الوالد أو الحديث مع الزوجة نفسها. كان من المفضل لو أنها دعت الوالد وزوجته إلى محادثة. في حالة عنف جسدي أو تحرش أو تنكيل جنسي يجب أيضًا إعلام الشرطة. ومع ذلك ما زال تأثير الحديث مع الوالدين في معظم الحالات قليلا إذ أنهما يستمران بممارسة تعاملهم السيئ مع ابنهم. في حالات كثيرة كهذه نستمد العون والمساعدة من القرآن الكريم الذي يبعث بآياته الحكيمة الأمل في النفوس المتألمة والصابرة ويمدها بالقوة لتتحمل رحلة العذاب حتى يكبر الشخص ويخرج من تحت سلطة وسطوة والديه. |