رئيسي قرآنت الفصل الثامن هل الشرح والتوعية أفضل من العقاب؟
هل الشرح والتوعية أفضل من العقاب؟
الفصل الثامن

" وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ " (سورة الأعراف، الآية 182)

يتعلم عبد الكريم في الصف الحادي عشر وهو طالب مجتهد ونشيط يكرس جهده للتعليم والدراسة. في أحد الأيام في طريق عودته من المدرسة بعد يوم دراسي طويل، شمّت أمه رائحة دخان تنبعث من ملابسه. فحصت الأم الموضوع فتبيّن لها أن ابنها عبد الكريم معتاد على التدخين مع أصدقائه بعد الدوام المدرسي. وبما أنها تعرف أضرار التدخين وخاصة في هذه السن وتعرف صعوبة الإقلاع عنه وتعرف بأنه يمكن أن يجر صاحبه إلى أشياء أخرى أكثر ضررا وأشد إدمانا- توجهت إلى مربية الصف تطلب مساعدتها. قالت لها مربية صف عبد الكريم بأنها تعرف بأنَّ هناك مجموعة من طلاب الصف يمارسون التدخين. طلبت أم عبد الكريم من المربية أن تجتهد للتعرف على أفراد هذه المجموعة وأن تعاقبهم. قالت المربية للأمّ بأنها تنوي معالجة الموضوع بطريقة مختلفة فهي تحضر للصف فيلما عن التدخين وأضراره. ثم أضافت موضحة خطتها لمعالجة الموضوع: "مرة بواسطة فيلم ومرة بواسطة محاضرة مرحلة بعد مرحلة بهذه الطريقة نبعدهم عن التدخين، على سبيل المثال، هؤلاء الفتيان يحبون الرياضة فحضرت لهم أيضًا فيلما عن أضرار التدخين على الرياضيين". لم تقتنع الأم بالطريقة التي تستبعد العقاب والتي تنوي المربية والمستشارة انتهاجها إلا بعد أن تلت عليها الآية الكريمة التي يقول فيها عز وجل : "وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ " أي أن هؤلاء الطلاب لو جئنا واتهمناهم بالتدخين فإنهم سينكرون ويقسمون كذبا كما قد يدفعهم هذا إلى التمسك أكثر بالتدخين تحديا، وعندها لن نحقق شيئا مما نريد. أما بواسطة التوعية والشرح فإنهم سيقتنعون بشكل تدريجيّ بأنَّ التدخين مضر وأنهم إذا كانوا يحبون الرياضة ويريدون أن يصبحوا رياضيين فإنَّ التدخين سيكون حجر عثرة أمامهم وما شابه وبذلك نستدرجهم فيعترفون من تلقاء أنفسهم ويتعهدون لنا ولأنفسهم بالإقلاع عن التدخين بعد أن أدركوا ضرره ومخاطره. وبذلك نكون حققنا ما نصبو إليه. بعد هذا الشرح والتوضيح اقتنعت الأم بطريقة المربية والمستشارة التربوية.

التفسير النفسي: حقا، العقاب هو الطريقة الأقلّ نجاحا والأفضل هو الشرح والتوعية. من الممكن أن العقاب ينطوي على الانتقام وأنّه من الممكن أن يسبب الإحباط ويدفع باتجاه التمرّد. العقاب يمكن أن يخلق عند الولد الخوف ونحن نريد من الولد أن يفهم ويعي كيف عليه أن يتصرف لا أن يتصرف بالشكل الصحيح خوفا من العقاب. الشرح والتوعية يدخلان إلى أعماق الولد ويفسحان له المجال لأن يفكر فيما يسمع ويرى ويتيحان له أن يتبنى المبادئ التي يتبناها مثله الأعلى (الأب، المعلّم وما شابه) ليس بدافع الخوف بل من خلال التقدير والاحترام والحب. صحيح أن العقاب يأتي بنتائج سريعة (تغيير فوري في السلوك) ذلك لأنّ الولد يخاف إلا أن هذا التغيير مؤقت لن يدوم طويلا إذ بابتعاد العصا أو من يحملها أو التهديد أو من يلوّح به يعود الولد إلى ما كان عليه. على العكس من التوعية والشرح. لذلك أحسنت المربية عندما قررت (مع المستشارة) أن توعي الطلاب وأن تشرح لهم بواسطة الأفلام والمحاضرات وأشياء أخرى حقائق الحياة وما نعرفه عن التدخين وأضراره، بدلا من أن تعاقبهم. إضافة إلى ذلك استغلت الآية الكريمة التي تدعو إلى الاستدراج والتروي وتحقيق التغيير البطيء ولكن الأكيد بدلا من توقع التغيير السريع والذي لا يدوم طويلا.