رئيسي قرآنت الفصل الثامن ماذا نقول لمن يخجل من تلقي العلاج النفسيّ؟
ماذا نقول لمن يخجل من تلقي العلاج النفسيّ؟
الفصل الثامن

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً" (سورة النساء، الآية 135)

وصلت زوجة سالم إلى لقاء مع المستشار في الشؤون العائلية وطلبت منه أن يُساعدها في حل بعض المشاكل العائلية، الناجمة عن كون علاقتها مع زوجها ليست على ما يُرام. وإذا استمرّ الوضع على ما هو عليه، قالت الزوجة للمستشار، فإن المشاكل قد تتفاقم وسيكون من الصعب حلّها. حكت الزوجة عن مشاكل تتعلق بها شخصيا ومشاكل أخرى تتعلق بالأولاد ، أيضًا. بالإضافة إلى مشاكل أخرى عويصة وقاسية خارج البيت. أصغى المستشار إليها طويلاً، ثم طلب منها أن تأتي إلى جلسة المُعالَجة القادمة مع زوجها. كما اخبرها بأنه يقترح عليها مُعالَجة مزدوجة أي هي وزوجها معا ، وأنّ هذه المعالجة قد تستمرّ عدة جلسات. كما وضّح لها المستشار بأنّ حلّ المشاكل الزوجية يكون أفضل، في معظم الحالات، في إطار العائلة، وليس في إطار المُعالَجة الشخصية أو الاستشارة الفردية. طلبت الزوجة من زوجها أن ينضمّ إليها في هذه المعالجات، لكنه رفض قائلا : "هذا ما ينقصني، ماذا سيقول عني الناس أنّي مجنون! وإضافة لذلك أريدك أن تعلمي أنّ ما تفعلينه مرفوض وغير مقبول عليّ". ولم يكتف سالم بمعارضته بل أخذ يتّهم زوجته بأنها تُقحِم أطرافا خارجية في العلاقات بينهما. عندما سمع المستشار هذا الكلام الذي قاله سالم، طلب من الزوجة أن تقرأ عليه الآية 135 من سورة النساء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ". وأضاف "إن هذه الآية تساعدنا على تحمّل المسؤولية، وعلى انتقاد أنفسنا أو أحد أفراد العائلة". فعلينا أن لا نَيْأَس. بل يجب أن نواظب ونضغط على زوجك بشتّى السُّبُل حتى ينصاع ويأتي للعلاج من أجل تحسين الوضع في البيت من أجلكما ومن أجل الأولاد.

التفسير النفسي: ليس عيبًا أن يتلقى الإنسان نصيحة مِهْنيّة من إنسان مُختصّ في مجال العلاج النفسيّ (خبير نفسيّ، مستشار تربويّ، عامل اجتماعيّ وغيرهم). كلّنا نواجه صعوبات مختلفة ، وإن الاعتراف بهذه الصعوبات والرغبة في معالجتها يدلاّن، عادة، على نُضج عقليّ. بينما يدلّ إنكار وجود هذه الصعوبات وإهمالها، في أكثر الأحيان، على انعدام الثقة بالنفس أو ضعفها. إن الصعوبات النفسية المختلفة، تدعو، مثل غيرها من الأمراض الجسدية، إلى المعالجة وليس إلى التجاهل أو الإهمال. لكن في كثير من الأحيان، يخجل الناس من تلقّي المساعدة النفسية. وهم يتساءَلون: "هل نحن مجانين حتى نلجأ إلى العلاج النفسيّ؟" والحقيقة، عادة، عكسية: فالذي يسعى في طلب المساعدة النفسية يكون، في أكثر الأحيان، أكثر سلامة وصحة نفسية من الذي يخاف أن يتلقى هذه المساعدة. هكذا فإن التوجّه إلى خبير في مجال العلاج النفسيّ، قد يدلّ على نضوج وثقة بالنفس. فالمَهمّة المُلقاة على عاتق المستشار التربويّ غير سهلة: أن يشرح هذه الأمور لسالم، الذي يرفض رفضًا قاطعًا أن يأتي إلى العلاج. لقد زوّد المستشار تلك المرأة بآية من القرآن الكريم، تدلّ على أهمية المسؤولية الذاتية نحو الإنسان ذاته. فإننا في العلاج نشهَد، أيضًا، ضدّ أنفسنا، نفحص أنفسنا ونفحص الغير، أيضًا. نحن يُمكننا أن نتحمّل المسؤولية أو أن نُلقيها على أحد أفراد الأسرة. كلّ شيء وَفق الحقيقة والمنطق. لذا فإن هذه الآية من شأنها أن تشجّع الزوج على تحمّل المسؤولية وعلى الانصياع والتوجّه إلى المُعالَجة.