| ماذا نقول للأب الذي يلقي على عاتق أولاده المسئولية عن موت أبيه؟ |
| الفصل السابع |
|
" كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ" (سورة آل عمران، الآية 185) يتعلم ماهر في الصف الخامس وهو طالب مجتهد يضع كل جهده في الدراسة وإلى جانب ذلك يحب اللعب بالألعاب الخطيرة. في الفترة الأخيرة تشاجر مع صديقه وضربه لأنه لم يوافق على أن يشاركه اللعب في لعبة اعتبرها الصديق خطيرة. وصل خبر هذه القصة إلى مديرة المدرسة التي طلبت من ماهر إحضار والده في اليوم التالي. رأت مديرة المدرسة أن ألعاب ماهر الخطيرة والعنف الذي مارسه ضد زميله وصديقه يستوجبان تدخل والده واستعمال صلاحياته لوضع حد لذلك. في اليوم التالي جاء ماهر إلى المدرسة بصحبة والدته. المديرة: ماهر، طلبت منك إحضار والدك لماذا أحضرت والدتك؟ الأمّ: والد ماهر يعامله بقسوة، يكفيه ما حدث في البيت. لو أننا أخبرناه بما حدث في المدرسة فلن تكون عاقبته سليمة. المديرة: ما رأيك أنت يا ماهر؟ ماهر: أنا أخاف من والدي خوفي من الموت، والدتي تعلّم ذلك جيدا. أنا اشعر بأنني صغير وضعيف جدًّا وأنا أقف أمامه. فهو يضربني دائما وأنا لا أطيقه. الأمّ: زوجي شخص صعب جدًّا. تحدثت معه كثيرا ولكن دون جدوى. وأنا لا أستطيع أن افعل شيئا، هكذا خلقه الله. ماهر: جميع أهل القرية يعرفون بأنني ولدت في اليوم الذي توفّي فيه جدي (والد والدي) رحمه الله. والدي دائما يذكّرني بذلك ويعاقبني عليه. وهو يعتقد أن يوم ميلادي هو يوم مشئوم لذلك فهو يعاقبني على كل شيء صغيرا كان أم كبيرا. هل أنا ولد شؤم يا أمّي؟ الأمّ: أنت ولد طيب جدًّا يا ماهر. علينا أن نتحمل وننتظر فالزمن كفيل بأن ينسيه. المديرة: الآن بدأت أفهم لماذا تقوم أنت بضرب أولاد صفك. ذلك لأنّ والدك يضربك في البيت. كما يبدو لي أنني بدأت أفهم وأجد تفسيرا لحبك للألعاب الخطيرة. وكأن لسان حالك يقول لا تهمّني الحياة فأنت ترى أنها لا تساوي شيئا. أريد أن أتحدث مع والدك هل ترى يوافق على الحضور إلى المدرسة؟ الأمّ: أظنّ أنه سيقبل، فهو يحترمك ويقدرك. اتّصلت المديرة بوالد ماهر ودعته إلى الحضور إلى المدرسة لمقابلتها. في اليوم التالي جاء لوحده وهو لا يعلم ما الذي تريده المديرة منه. المديرة: لماذا لا تزور المدرسة ولا تهتمّ بدراسة ابنك ماهر وتصرفاته وأحواله؟ الأب: أنا مشغول ولا يتوفر لي الوقت. إذا كانت هناك أية مشكل قولي فقط ... المديرة: ماهر طالب ممتاز، ولكنه بحاجة إليك بحاجة إلى أن تصغي إليه إلى أن تتحدث معه. الأب: أجد صعوبة في الجلوس معه والحديث معه، أنا أحبه ولكن في داخلي جرح منه لأنه ولد في اليوم الذي توفي فيه والدي عليه رحمة الله. أجد صعوبة كبيرة في تقبله. المديرة: أريد أن اقرأ عليك الآية 185 من سورة آل عمران والتي يقول فيها الله عز وجل بأنَّ الموت هو مصير كل حيّ وأن الله وحده هو الذي يحدده آجال المخلوقات " فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" ولا يستطيع أي إنسان أن يزيد أو أن ينقص من عمره أو عمر غيره ولو ثانية واحدة. (فتحت المديرة المصحف الشريف وقرأت ببطء وهي تركّز على كل حرف): " كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ " يقول مثلنا "الحي أبقى من الميت" أي من مات فقد مات وانتهى ولا نملك إلا أن ندعو له بالمغفرة والأهم هو الاهتمام بالأحياء، وابنك ورعايته هما الآن أهم شيء في حياتك. وإذا أردت أن يكون أجرك عظيما عند الله يوم القيامة فعليك أن تقوم بواجبك نحو ابنك وأن تمنحه بالإضافة إلى المأكل والملبس والمسكن عطفك وحنانك واهتمامك فهو بحاجة ماسة إليها وهو كما تعلّم لم يختر اليوم الذي ولد ولا ذنب له بما حدث لوالدك رحمه الله. بل أرى العكس هو الصحيح إذ أن الله أخذ والدك وعوّضك عنه ابنا طيبا مجتهدا بارًا إن شاء الله. وأنا اشعر انه مشتاق إليك والى أن تفتح له قلبك وذراعيك. ما عليك إلا أن تبادر وسترى... التفسير النفسي: تفسير المديرة السيكولوجي لسبب تصرف ماهر بعنف ولسبب حبه للألعاب الخطيرة، على ما يبدو، صحيحا. فهو يقامر بحياته ومصيره لأنه يشعر بأنَّ والده لا يعتبره ولا يعيره أي انتباه. لذلك فهو عنيف. جميل أن المديرة أصرّت على الحديث مع الأب، لأنه في العائلات التي فيها الأب سلطويّ في كثير من الحالات إذا لم يتم الحديث مع الأب فإنَّ شيئا لن يتزحزح لأنّ الأم تكون ضعيفة. من حسن حظ ماهر أن والده قدّر دعوة المديرة واستجاب لها. أحيانًا يكون من الصعب على مديرة، امرأة، أن تدعو رجلا لمحادثة وأن تتعامل معه بشكل سلطوي ومهني كما يتطلب كونها مديرة. وقد يكون الأمر أكثر صعوبة إذا كان الأب من غير قريتها. أما إذا أرادت مديرة مدرسة أو مستشارة تربوية أو معلمة أن تقوم بواجبها كما يجب فعليها أن لا تخشى شيئا وأن تدعو الأب كائنا من كان وأن تتعامل معه بمهنية وبكامل الصلاحيات حتى وإن أبدى نحوها شيئا من الاستهانة وعدم الاحترام. فهي صاحبة مهنة ورسالة ومصلحة الولد قبل كل شيء وأهم من أي شيء آخر. لذلك عليهن أن يتصرفن بمهنية ومسئولية. في فرصة أخرى من المفضل أن نقول للأب بأنَّ العائلة بكاملها ستستفيد لو انه مدّ زوجته (الأم) أيضًا بالقوة وأعطاها شيئا من الصلاحيات. ماهر بحاجة أيضًا إلى أم قوية تستطيع مساعدته والتأثير عليه وليس لأمّ ضعيفة تكتفي بأن تقترح عليه، كما اقترحت عليه أمه، أن يتحمل وينتظر دون عمل شيء حتى تتحسّن الأحوال في المستقبل. |