رئيسي قرآنت الفصل السابع ماذا نقول لمن ينشر الأكاذيب؟
ماذا نقول لمن ينشر الأكاذيب؟
الفصل السابع

" وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (سورة البقرة، 42)

نور طالبة في الصف العاشر وهي طالبة جميلة ومجتهدة، مؤدّبة وجديّة. في الوقت الذي "انشغلت" فيه صديقاتها وزميلاتها بالحب وقصص الغرام كانت نور تتجاهل هذا الموضوع ولا تسمح لأيّ شخص بالتحدث معها حوله ولا تهتم بأي شيء سوى دروسها وتبذل قصارى جهدها في سبيل النجاح فيها.

يوسف طالب يتعلم في نفس المدرسة وهو على العكس من نور طالب متعجرف ومغرور ممن يحبون ويكثرون من الحديث مع البنات. في رأيه لم تخلق البنت التي ترفض أن تبادله الحديث. في أحد الأيام مرت نور بالقرب منه في حين كان يضحك مع أصدقائه. أحد الطلاب قال كلمة وجّهها إلى نور لكن نور ردّت بصورة مؤدّبة أثارت دهشة الجميع. كما أن رد نور أدهش يوسف أيضًا وذلك لأنّه يعرف أنها فتاة جدية، لا تتكلم مع الشباب أبدًا. همس يوسف في أذن أحد الأصدقاء قائلا له بأنه سيريهم الآن كيف يتصرف هو معها. وجّه يوسف إلى نور كلمة غير لائقة وإذا به يفاجأ بها ترد عليه بكلمات قاسية معنِّفة جعلته أضحوكة أمام زملائه. الأمر الذي لم يعتد عليه ولم يألفه. وعد يوسف أصدقاءه بأنه لن يدعها حتى يهينها كما أهانته أو يضطرها إلى الاعتذار إليه.

حاول يوسف أن يشوّه سمعة نور حيث بدأ ينشر الإشاعات في المدرسة بأنها تحبّه وأنها تسعى ليكون صديقا لها. اهتمّ يوسف بأن تصل إشاعته إلى الجميع في المدرسة وبالذات إلى أخيها الكبير. غضب أخوها كثيرا منها ودون أن يستوضح الموضوع راح يصرخ عليها ويعنّفها ويضربها. في رأيه "لا دخان بلا نار". أضاف أصدقاء يوسف الطين بلة وشهدوا أمام أخيها زورا وبهتانا بأنها تحبّ يوسف فعلا وتريده صديقا لها. بهذه الطريقة انتقم يوسف من نور وحاول أن يجبرها على أن تحكي معه. أما نور والتي كانت مندهشة في البداية من هذه الإشاعة حاولت أن تشرح لأخيها ولعائلتها الحقيقة ولكن أحدا منهم لم يصدّقها وانطلت عليهم إشاعة يوسف.

في هذه الحالة اضطرت نور إلى التوجه إلى المستشارة التربوية في المدرسة وحكت لها ما جرى. فحصت المستشارة التربوية الموضوع مع صديقات نور وأصدقاء يوسف وعندما أنهت الفحص واتضحت لها الصورة على حقيقتها، دعت الجميع إلى جلسة. أوضحت المستشارة التربوية لأصدقاء يوسف الذين شهدوا شهادة زور عن نور بأنَّ تصرفهم هذا ليس مقبولا لا من الناحية الاجتماعية ولا من الناحية الدينية والأخلاقية وأن مثل هذا التصرف يمكن أن يؤدي إلى نزاعات عائلية كثيرة داخل عائلة نور وذلك لأنهم يعرفون الحقيقة واختاروا أن يشهدوا شهادة زور. كما قالت ليوسف كلمات قاسية تعنّفه على تصرفاته وسلوكه السيئ - نشر الإشاعات والأكاذيب وما قد ينجم عنها. في النهاية أخرجت المستشارة التربوية المصحف الشريف من حقيبتها وطلبت من يوسف أن يقرأ على مسامع الجميع الآية 42 من سورة البقرة: " وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " بعد هذه الآية لم يعد هناك ما يقال.

التفسير النفسي: نشر الإشاعات هو من الأمور الخطيرة وقد حدث أن قتلت فتيات بسبب شك بعض الأقارب - على ضوء إشاعات لا صلة لها بالحقيقة - بأنَّ الفتاة دنست شرف العائلة. من الجميل هنا أن نور كانت قوية ما يكفي لتتصدى للإشاعة وتتمسك بالحقيقة التي لم يصدقها أهلها بسبب شهادة الزور وتوجّهت إلى المستشارة التربوية طالبة تدخلها لكشف الحقيقة وإزهاق الباطل. بنات أقلّ قوة من نور من المحتمل أن يستسلمن للإشاعة ويعترفن بأشياء لم يقمن بها أو أن يشعرن بالذنب مع أنهن لم يخطئن أو ربما يخضعن للابتزاز لمن نشر عنهن الإشاعات (أراد يوسف أن يجبر نور على أن تتحدث معه أو أن تعتذر له ...). عن غرور يوسف وعجرفته في القرآن الكريم الكثير من الآيات، إلا أن المستشارة التربوية اختارت أن تركز على الآية أعلاه والتي تدعو إلى عدم خلط الحق بالباطل الذي افتراه يوسف وشهد به زورا أصدقاؤه وتحذّر من كتمان الحقيقة الصريحة (براءة نور) وخاصة أنهم جميعا يعرفون هذه الحقيقة. كان على يوسف أن لا ينشر الإشاعات ولكن في الوقت نفسه كان على نور أن لا تنهار وأن لا تتنازل عن الوصول إلى الحقيقة مع أن الأمر ليس سهلا دائما. بالإضافة إلى ذلك كان يجب على الجميع أن يقفوا إلى جانب الحق والحقيقة وأن لا يكتموها إما خوفا من يوسف أو لأيّ اعتبارات أخرى. من المعلوم أن الحياة في المجتمع الذي لا يحرص أفراده على الحق صعبة وربما فيها مخاطرة.