| ماذا نقول للولد الذي يكذب بشكل دائم؟ |
| الفصل السابع |
|
" وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " (سورة النحل، الآية 92) يدرس علي في الصف الثاني عشر، وقد دأب علي على كيل الوعود الكثيرة لوالديه دون أن يفي بأي منها. يطلب السيارة ويعد بأن يعود بعد وقت معين ولكنه يعود بعد الموعد بساعتين. والداه بكل تأكيد متضايقان جدًّا من تصرفاته هذه ومن القلق عليه. أحيانًا يطلب من والديه الإذن بالخروج إلى مكان ما بينما يذهب إلى مكان آخر. وعندما كان يُضبط كان يقول هذه آخر مرة يعد فيها ولا يفي بوعده أو أن هذه هي آخر مرة يكذب فيها وإنّه لن يعود إلى ذلك، ولكن هذا الوعد يبقى ساري المفعول حتى يستبدله بوعد جديد. حاول معه والداه كل شيء. بدءا بالخير واللين - بالمحادثة والشرح والنصح وانتهاء بالعنف والشرّ - التهديد والعقاب. لكن شيئا لم ينهِ المشكلة. واصل علي الكذب وعدم الوفاء بالوعود أو الالتزام بالتعهدات. عندما لم تعد بيدهما أي حيلة توجه الوالدان إلى المستشارة التربوية في المدرسة وطلبوا مساعدتها على حل هذه المشكلة. فتحت المستشارة القرآن الكريم الذي لا يفارق طاولتها وطلبت من علي أن يقرأ بصوت مرتفع الآية 92 من سورة النحل: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ". ثم طلب منه أن يقرأ تفسير هذه من حاشية المصحف الذي بين يديه: "ولا ترجعوا في عهودكم، فيكون مثلكم مثل امرأة غزلت غزْلا وأحكمته ثمّ نقضته، تجعلون أيمانكم التي حلفتموها عند التعاهد خديعة لمن عاهدتموه، وتنقضون عهدكم إذا وجدتم جماعة أكثر مالا ومنفعة من الذين عاهدتموهم، إنّما يختبركم الله بما أمركم به من الوفاء بالعهود وما نهاكم عنه من نقض هذه العهود، وليبيّن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون في الدنيا". عندما أنهى علي قراءة هذه الآية وتفسيرها شعر بأنَّ شعورا بالمسئولية الكبيرة يغمره ويدفعه لأنّ يتعهد قائلا : لا، لن أعود إلى وعودي وأيماني من أجل أن أغشّ، لم أعلم أن القرآن الكريم يتحدث عني ويخاطبني بشكل خاص" من ذلك اليوم فعلا يحاول علي بكل قوته أن لا يعد وعندما كان يعد كان يبذل قصارى جهده من أجل أن يفي بوعده وكان يفلح بشكل عام. التفسير النفسي: قيمة الصدق هي من القيم المهمة جدًّا! عندما يعد الإنسان ولا يفي بالوعد فهو بكل تأكيد يقسم كذبا وهو في الوقت نفسه يغش غيره وربما يغش نفسه أيضًا بأنه سيقوم بما وعد به. هذا الغش والوهم، بكل بساطة، يهدم المجتمع، لأنه يبني مجتمعا لا يمكن الوثوق بأي شخص فيه وأن الكلمة فيه ليست كلمة. في مثل هذا المجتمع لا تستطيع أن تعلّم ماذا سيكون في الغد وعدم اليقين يسود جميع جوانب الحياة. ليس من السهل التمسك بالحقيقة ولكن ذلك هو الشرط الأساسي لكي لا يعيش الجميع في جهنم واحدة كبيرة. لذلك يجب، قبل كل شيء، تربية الأولاد على أن يكونوا مخلصين للحقيقة الداخلية التي يشعرون بها أي أنهم عندما لا يقولون الحقيقة يشعرون بأنهم هم أنفسهم متضايقون وبأنهم خانوا أنفسهم وخانوا غيرهم. في مثل هذا المجتمع توجد هناك لحظات كثيرة صعبة. يقول الشخص لزميله بأنه غير موافق على ما يقوله لا أن يوهم زميله أو صديقه بأنه موافق معه فقط من أجل أن يحافظ على علاقة طيبة معه. عليه أن يختلف مع صديقة أو أن يواجهه فقط لأنّ الحقيقة مهمة لا الغش والخداع. ذلك الذي سينفجر في المستقبل ويؤدي إلى خيبة أمل وضرر أكبر بكثير لأنه في اللحظة الحاسمة ظهرت الحقيقة. وحقا لا شيء مثل القرآن الكريم في نقل الأهمية الكبرى لقول الحقيقة. |