رئيسي قرآنت الفصل السابع ماذا نقول لمن أقسم كاذبًا؟
ماذا نقول لمن أقسم كاذبًا؟
الفصل السابع

"وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (سورة البقرة، الآية 224)

يتعلم عبد الرحيم في الصف العاشر وقد اعتاد على أن يغادر بيته منذ ساعات المساء الأولى وحتى ساعة متأخرة من الليل. والدا عبد الرحيم يعملان ساعات طويلة كل في مكان عمله من أجل تطوير سيرتهما المهنية وتقدمهما الشخصي: الأب طبيب وآلام مديرة مدرسة ابتدائية في القرية. من عادة الوالدين أن يعودا من العمل في ساعات المساء المتأخرة حيث يتناولان مع ولديهما عبد الرحيم وأخته الصغيرة، زينب وجبة عائلية خفيفة بعدها يقوم كل منهما إلى شؤونه: الأب إما أن يعود إلى العمل في المستشفى أو أن يستغل الوقت وينام مبكرا أما الأم فتنزوي في غرفة عملها وتغرق في بحر من الأوراق والملفات التي لم تتمكن من إنهاء معاملاتها خلال دوامها الطويل في المدرسة. يبدو أن الوالدين لا يعرفان أين يتسكع عبد الرحيم في ساعات الليل ولا يعرفان متى يعود إلى البيت أو يأوي إلى الفراش.

في إحدى الأمسيات التي صدف أن تناولا فيها وجبة العشاء معا أثارت الأم ما تواجهه من صعوبة كل صباح في إيقاظ عبد الرحيم من النوم لينهض إلى مدرسته. اقترحت الأم أن ترافقه إلى عيادة صندوق المرضى من أجل إجراء فحوصات دم لكي يتبين لماذا عبد الرحيم يكون متعبا في الصباح ولا يستطيع أن ينهض بنشاط من فراشه ويسرع إلى مدرسته. عندها تدخلت زينب وقالت ربما أن عبد الرحيم يتصعب في النهوض من الفراش في الصباح لأنه يعود إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل ولا ينام عددا كافيا من الساعات. عندها توجّه الوالدان معا إلى عبد الرحيم سائلين: "هل هذا صحيح ؟ّ!" أقسم عبد الرحيم بالله بأنَّ هذا غير صحيح إطلاقا وادّعى بأنه يأوي إلى فراشه مبكرا في كل ليلة.

في ساعة متأخرة من نفس اليوم جاءت زينب راكضة إلى أمها وقالت لها وهي تبكي بأنَّ عبد الرحيم ضربها واتهمها بالوشاية أي بأنها "جاسوسة". وهنا أيضًا أقسم عبد الرحيم بأنَّ أخته تختلق الأشياء ولا تقول الحق. على ضوء ذلك قررت الأم أن تتدخل واستدعت عبد الرحيم لمحادثة. سألته عن السهر في الليل وتطرقت إلى ظاهرة إسراعه إلى القسم بالله في كل صغيرة وكبيرة وحتى لو أنّه لا يقول الحقيقة. وضّحت الأم لعبد الرحيم بأنَّ الله موجود في كل مكان وأنه يراقب أعمالنا ويحصيها علينا وهو يرى ويسمع كل شيء، ولكي تدعم أقوالها استشهدت الأم بالآية 224 من سورة البقرة والتي يقول فيها عز وجل: ""وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" بعدما سمع عبد الرحيم هذه الآية وعد أمه بأن لا يقسم بالله كما وعدها بالكف عن السهر خارج البيت مع أصدقائه. انتبهت الأم إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يعد فيها عبد الرحيم القيام بشيء دون أن يقسم فاستبشرت خيرا.

التفسير النفسي: اتخذ عبد الرحيم القسم الكاذب وبلفظ الجلالة بالذات عادة له وذلك لأنه اعتقد أن الناس يميلون أكثر إلى تصديقه عندما يقسم بالله. بهذه الطريقة استطاع عبد الرحيم أن يكذب على الناس والناس يظنون أنّه صادق. أما القرآن الكريم الذي يعلم الناس قول الحقيقة ولو على أنفسهم يعلمنا أيضًا بأنَّ من يكثر من الحلف بالله في كل مناسبة وفي كل صغيرة وكبيرة من المحتمل أنّه لا يقول الحقيقة لأنّ من يقول الحقيقة لا يحتاج إلى أن يقسم ومن لا يقول الحقيقة مثل عبد الرحيم يدمن على الحلف بالله. للقسم بالله توجد قيمة عظيمة جدًّا ومتميّزة. في المحكمة يطلب من الشاهد أن يقسم على قول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة وهو يضع يده على كتابه المقدس (المسلم على القرآن الكريم واليهودي على التوراة والمسيحي على الإنجيل) كي تضمن المحكمة قول الحقيقة لأنّ شهادتهم يمكن أن تقرر مصير المتهم إما إلى السجن أو في بعض الدول إلى الإعدام أو إلى تبرئة ساحته. إننا نريد بكل بساطة أن نربي أولادنا على قول الحق دون أن يحتاجوا إلى الحلف لأنّ الكذب لا يضرّ المجتمع الذي يعيش فيه الفرد فحسب بل ضرره مضاعف: على سبيل المثال، إذا أنكر عبد الرحيم بأنه يأوي إلى الفراش متأخرا فهو بالإضافة إلى أنّه يكذب على والديه فهو يكذب على نفسه ولا يستطيع من جهة أخرى أن يصلح نفسه وسلوكه وهذا صحيح بالنسبة إلى ضربه لأخته.