| هل الوفاء بالعهد يحسّن التصوّر الذاتي للفرد؟ |
| الفصل السابع |
|
" بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (سورة آل عمران، الآية 76) عدنان طالب في الصف السادس. يهتم والداه بعلامته بشكل خاص هذه السنة بالذات لأنه في السنة القادمة، مع دخوله إلى الصف السابع، سيقومون بتصنيف الطلاب في المواضيع الرئيسية إلى "تجميعات من ثلاثة مستويات". يقوم والداه بتذكيره بهذا الأمر صباح مساء وهو يقول لهم: " لا تقلقا، سيكون الأمر على ما يرام، إن شاء الله". في الامتحانات الشهرية كانت علامات عدنان منخفضة مما أغضب والديه كثيرا ولكنه عاد ووعدهما قائلا: : سأبدأ ببذل المزيد من الجهد في المطالعة وحل الوظائف حتى أنني سأفاجئكم في نهاية الفصل. خلال الفصل لم يلحظ الوالدان بأنَّ عدنان يبذل المزيد من الجهد أو أنه يكرّس وقتا أكثر للمطالعة. عاد والداه وذكّراه بالتزامه ووعده ولكنه عاد إلى ما كان يقوله بأنهما يجب أن لا يقلقا وأن علاماته ستتحسن، إن شاء الله. مع نهاية الفصل لم يطرأ التحسن المنشود على علامات عدنان بل على العكس فقد انخفضت علامته في الحساب. أخبر الوالدان ابنهما عدنان بأنه من الآن فصاعدا لن يسمحا له بالخروج من البيت للهو واللعب مع أصدقائه أو الاشتراك في الدورات المختلفة وأنهما لن يسمحا له بالجلوس إلى الحاسوب للتسلية واللعب. توسّل عدنان إلى والديه قائلا بأنه الآن فهم كل شيء وأنّه من الآن فصاعدا سيكون جديا في دراسته وسيقوم بحلّ وظائفه وتحضير دروسه. ولكثرة توسلاته ووعوده قال له والداه بأنهما يعطيانه فرصة أخيرة. في الأسبوع الأول من الفصل الثاني واظب عدنان على العمل الجادّ حيث بدأ يطالع ويحل وظائفه ويحضّر دروسه بشكل منتظم وجدي. وقد اعتقد والداه بل كانا متأكّدين من أنه تغيّر فعلا وأصبح جديًّا. ولكن ما أن مضى الأسبوع الثاني حتى عاد عدنان إلى ما كان عليه. عاد يحضّر دروسه في ساعة متأخرة من الليل وبشكل غير جدي بعد أن ينتهي من اللعب مع أصدقائه وهكذا كانت علاماته في نهاية السنة سيئة جدًّا ومخيّبة للآمال أكثر من المتوقع حتى أنها كانت أسوأ بكثير من علامات الفصل الأول. في محادثته مع والديه خاف عدنان من العقاب. كان متأكدا من أنّه لن يعطى فرصة أخرى لذلك بدأ يختلق المبررات للدفاع عن نفسه. قال : " لقد بذلت كل ما بوسعي إلا أن الامتحانات كانت صعبة أما الآن فأنا أعدكما بأن أكون جديا في السنة القادمة لذلك أرجو أن تعطوني فرصة أخرى لأثبت لكم نفسي" قال له والده : "بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" لقد أعطيناك ما يكفي من الفرص، لقد وعدت وتعهدت ولكنك لم تلتزم ولم تفِ بوعودك فكيف تريدنا أن نعطيك فرصة أخرى؟! كما نذكرك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من حجر مرّتين ". التفسير النفسي: القدرة على وفاء الشخص بتعهداته ووعوده التي يقطعها على نفسه، لها أهمية لا مثيل لها ، ليس بالنسبة إلى المجتمع الذي يتوقع من الفرد أن يلتزم ويفي بوعوده بل للشخص المتعهِد نفسه. الشخص الذي يتعهد بشيء ما لشخص آخر يتعهد بذلك أمام نفسه أيضًا. وإذا لم يلتزم بتعهده أو يفي بوعده فانه سيكون من الصعب عليه أن يعتمد على نفسه وعلى قدرته في المستقبل. لم يلتزم عدنان بتعهداته ووعوده لوالديه ولكن عدم الوفاء بالعهد هذا يرافقه شعور بأنه لو أراد فعلا الوفاء بالعهد لما كان قادرا على ذلك. أما الوفاء بالعهد ، من الجهة الأخرى، فإنَّه كان سيهب عدنان الشعور بالقوة والمقدرة والتي هي مهمة بالنسبة إلى كل شيء الحياة بدءا من حل تمرين حساب وانتهاء بمواجهة أصعب المشاكل التي تواجه الإنسان في حياته . إننا نريد أن نعلم عدنان بأن لا يخاف من التعب وأن لا يخاف من بذل الجهد والجد والاجتهاد. ربما أن المسئولية لا تقع كلها على عدنان وحده بل يتحمل والداه قسما منها. إذ أن نجاح عدنان هو مهمة عائلية مشتركة. من المحتمل أنه كان بإمكان والديه أن يسهلا عليه هذه المهمة لو أنهم كرّسوا له مزيدا من الوقت للجلوس معه على تحضير دروسه ووظائفه البيتية أو أنهم ساعدوه على تحديد مهمات صغيرة قابلة للتحقيق أكثر من النجاح في جميع المواضيع إذ لا مثيل للنجاح في موضوع معين ليجرّ وراءه نجاحا آخر. لنفرض لو أن عدنان ركّز كل جهوده على النجاح في موضوع معين ونجح فيه لكان ذلك سيحمسه على الانتقال إلى موضوع آخر أو أنّه أشعره بأنه قادر على أن يتعهد وأن يفي بتعهده وبهذه الطريق ربما كان تحقيق النجاح العام مهمة أسهل. ليست مهمة الوالدين هي أن يقفا جانب ويضعا له علامات على قيامه بالمهمة التي ألقوها على عاتقه أم لا مثلهم مثل المعلمين. واجبهم هو أن يساعدوه على أن ينجح ومن أجل ذلك يجب أن يكونا شريكين له يقفان إلى جانبه يشجعانه ويدعمانه طوال الطريق ولا ينتظران نهاية الفصل أو السنة ليريا من شهادته إذا كان قد تقدم أم لا. بهذه الطريقة كان بإمكانهما أن يسهلا على عدنان تحقيق ما جاء في هذه الآية الكريمة المهمة. |