| بناء على أي شيء يجب أن نحكم على الشخص؟ هل بناء على تصرفاته أم على تصرفات أفراد عائلته ؟ |
| الفصل السابع |
|
" قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ" (سورة البقرة، الآية 139) تتعلم أمينة في الصف السادس. وهي طالبة موهوبة، ومؤدّبة يحبها الجميع وهي تحب الجميع. في الآونة الأخيرة حكم على عمّها بالسجن لسنوات طويلة بسبب متاجرته بالمخدّرات. منذ ذلك الوقت وأهل القرية يقاطعون أفراد العائلة ولا يريدون أي علاقات معهم. كذلك بدأ الأولاد أيضًا يبتعدون عن أمينة. وليس هذا فحسب بل يسخرون منها ويرفضون دعوتها - كما كانوا يفعلون من قبل- إلى الحفلات التي يقيمونها في بيوتهم في المناسبات المختلفة (حفلات أعياد الميلاد). شعرت أمينة بذلك بل وتضايقت جدًّا فلجأت إلى المستشارة التربوية ووصفت لها وضعها المؤلم في الصف ومن جملة ما قالته أمينة للمستشارة : " لست أنا من اختاره ليكون عمّا لي، هذه هي مشيئة الله وإرادته وأنا أقبل ولا اعترض على كل ما يأتيني من الله، وأقل ما أرجوه من زملائي هو أن يعاملوني كإنسانة فأنا أيضًا لي أحاسيسي ومشاعري". في حصة التربية التالية جاءت المستشارة التربوية إلى الصف وقامت بفعالية حول قبول الآخر المختلف في جميع المجالات: في المجال الديني والاجتماعي والثقافي وما إلى ذلك. كما ركّزت المستشارة على أهمية الحكم على الإنسان بحسب أعماله سلبا وإيجابا وليس بحسب أعمال أقاربه أو حتى أفراد عائلته إذ أن كل واحد منا مسئول عن عمله فقط؛ كقول الشاعر : لا تقل أصلي وفصلي أبدًا * * * إنما أصل الفتى ما قد حصل أو قوله تعالى : "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا تعذّب نفس بخطيئة غيرها أو كما يقول المثل العامي: "تتباهى القرعة بشعر بنت خالتها" سألت المستشارة التربوية الطلاب: كيف سيكون شعوركم لو أن أحدا من أقاربكم أو حتى من أفراد أسرتكم اقترف جريمة - لا سمح الله- وقام الناس من حولكم بمعاقبتكم على هذه الجريمة. رفع أحد الطلاب فجأة إصبعه وقال بعد أن أعطته المستشارة الإذن بذلك: أنا الآن أدرك لماذا اختارت المستشارة أن تقوم بهذه الفعالية، أنّه بسبب أمينة. أقرّت المستشارة ما قاله الطالب، ثم أخرجت من حقيبتها المصحف الشريف وأخبرت الطلاب بأنها تريد أن تقرأ على مسامعهم الآية رقم 139 من سورة البقرة والتي يقول فيها عز وجلّ: " ... وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ...". مع انتهاء الدرس توجه الطلاب إلى أمينة واعتذروا لها وطلبوا منها المسامحة. وقد بادر أحد الطلاب الذي يحتفل في نفس اليوم بعيد ميلاده وقام بدعوتها إلى بيته لتشاركه مع بقية الزملاء الاحتفال بعيد ميلاده، الأمر الذي لم يحدث منذ تلك الحادثة المشئومة. التفسير النفسي: في كثير من الأحيان نميل إلى الحكم على الناس بحسب انتمائهم العائلي أو بحسب ما نعرفه عن أحد أفراد عائلته. على سبيل المثال عندما يريد والدان تزويج ابنتهما أو ابنهما فإنهم في كثير من الحالات يقومون بعمل سلسلة من التحريات للتعرف على عائلة العريس أو العروس المقترحين. من المألوف لدى الناس الاعتقاد بأنَّ مَن ينتمي إلى بيت طيب (عائلة عريقة) يكون طيبا في معظم الحالات أكثر ممن ينتمي إلى بيت غير طيب من منطلق القول "فرخ البط عوام" أو "هذا الشبل من ذلك الأسد" . ولكن القرآن الكريم، مثله مثل المنطق السليم، يحذرنا من التعميمات، الأمر الذي يمكن أن نظلم بسببها الكثير من الناس أو أن نقع في أخطاء لا تحمد عقباها. يجب أن نحرص دائما على أن نحكم على الشخص نفسه بحسب صفاته وأخلاقه وأعماله لا بحسب أعمال وتصرفات أفراد عائلته. وفي الزواج يقول الحديث الشريف " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" ولم يقل من كانت عائلته أو نسبه كذا وكذا. بهذه الطريقة سنكتشف بأنَّ شخصا ما يمكن أن يكون طيبا وحسن السيرة والسلوك في حين أن بعض أفراد عائلته يُعرفون بسوء الصفات والأخلاق. هذا بالضبط ما حدث مع أمينة وما يحدث مع طلاب كثيرين من أمثالها الذين يعاقبهم الناس بجريرة ما قام به أحد أفراد عائلاتهم، في حين أنهم مثل أمينة يتمتعون بأخلاق حسنة وبصفات حميدة. عندما نحكم على الشخص بحسب أعماله نقول له بأنّه مسئول عن تصرفاته وبذلك نشجّعه على الشعور بالمسئولية عن سمعته واسمه الطيب أو السيّئ . أما إذا كان اسم الشخص وسمعته بيد أفراد عائلته فلماذا يحرص على التحلي بالأخلاق الحميدة ولماذا عليه أن يتعب نفسه دون جدوى مادام اسمه قد تلطّخ باسم عائلته؟! ولسان حاله يقول: قيل لي بأنني مثل أفراد عائلتي ولم يدَعوا لي فرصة إلا أن أكون مثلهم. أما إذا كنت أنا وحدي المسئول عن سمعتي ومصيري فمن المجدي أن أتصرّف بشكل لائق وأن أتحلى بجميل الأخلاق والصفات. هكذا هو القرآن الكريم يشجع الفرد على تحمل المسئولية عن تصرفاته وما عملته يداه في الدنيا والآخرة. ويدعو الآخرَ إلى الحكم عليه بناء على هذه التصرفات والأخلاق. |