| ماذا نقول لمن يخاف من أن يقول الحقيقة خوفا من الانتقام منه؟ |
| الفصل السادس |
|
" ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ" (سورة الحج، الآية 60) نوارة هي طالبة تتعلم في الصف الخامس وهي أكثر طالبة متفوقة في صفها. في السنة الأخيرة تقوم بنات صفها بمقاطعتها. بدأت القضية عندما طلبت سماح منها أن تسمح لها بأنَّ تنسخ ("تنقل") عنها في امتحان الحساب لكن نوارة لم تسمح لها إذ خافت من أن يكتشف الأمر وتعاقبهما المعلمة. مع انتهاء الامتحان جاءتها سماح وقالت لها بأنها كذابة وذلك لأنها لم تسمح لها بـ "النقل" عنها ليس لأنها خافت من اكتشاف الأمر بل لأنها لم ترد لها أن تنجح لكي تبقى هي ( أي نوارة) الوحيدة التي تنجح في الامتحان. تكررت القصة نفسها في امتحان العلوم. عادت نوارة وشرحت لسماح بأنها تخاف من أن تسمح لها بـ "النقل" كيلا يكتشف الأمر وتعاقب. إلا أن سماح عادت واتهمتها بالكذب وهددتها بأنها ستندم على ذلك. بعد أن تكررت القصة عدة مرات اتخذت بقية بنات الصف موقفا معاديا من نوارة وبدأن بالابتعاد عنها حتى بقيت وحيدة بدون صديقات في الصفّ. كلما حاولت أن تتقرّب منهن ابتعدن عنها ورفضن صحبتها. في الآونة الأخيرة قامت بعض بنات الصف بتمزيق عددا من دفاتر نوارة والدوس على حقيبتها وادّعين بأن ذلك لم يكن مقصودا وفي مرة أخرى قمن بكسر قلمها وادّعين مرة أخرى أن ذلك لم يكن مقصودا. فكرت نوارة بأنَّ تشكوهن إلى مربية الصف ولكنها كانت متأكدة من أنهن سيتهمنها بالوشاية (الجاسوسية بلغة الطلاب) وعندها يكون انتقامهن منها أشدّ وأعنف. في الفترة الأخيرة بدأت تشعر بالدوار (الدوخة) والصداع لكثرة التفكير. قالت نوارة لنفسها أنا حقا لم أكذب عليهن. إنها فعلا تخاف أن تسمح لهن "بالنقل" خوفا من افتضاح الأمر وما يجره من عقاب. وهي لا تخاف من أن تكون بنات أخريات من صفها متفوقات مثلها. قررت نوارة أن تطلع أمها على القضية وأن تحكي لها بالضبط ما يحدث لها داخل الصف. حدّثت أمها عن تنكيل البنات بها وسخريتهن منها وطلبت من أمها أن تعمل على نقلها من هذه المدرسة إلى مدرسة أخرى. ضمتها أمها إلى صدرها وقالت لها بأنَّ الانتقال من المدرسة ليس حلا للمشكلة بل هروبا منها. الحل كما رأته الأم هو أن تذهبا معا للحديث مع مربية الصف وإذا لم يجد ذلك نفعا تذهبا إلى المدير. اعترضت نوارة قائلة: " ولكن البنات سوف ينتقمن مني". قالت لها أمها ألا تعرفين الآية الكريمة التي يقول فيها الله عز وجلّ: " ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ"؟ نوارة وهي الطالبة المتفوقة أجابت أمها: "بلى أعرفها إنها الآية 60 من سورة الحج. إذا تحدثنا مع مربية الصف حول الموضوع فإننا نعاملهن بالمثل - نعاقبهن بمثل ما عاقبنني به". قالت الأم: هذا صحيح أما إذا نكلن بك فإنَّ الله سيكون في جانبك وينصرك عليهن". فعلا تحدث نوارة وأمها مع مربية الصف وأطلعتاها على القصة من أولها إلى آخرها. خصصت مربية الصف حصة التربية بكاملها للحديث في الصف حول المقاطعة التي تفرضها البنات على نوارة. وكيف أنهن بدلا من أن يقدرنها لكونها أحسن طالبة وأكثرهن اجتهادا وعطاء وبدلا من ذلك يقمن بالغيرة منها ويحاولن استغلالها والإساءة إليها ماديا ومعنويا. مربية الصف أيضًا استعملت في الدرس نفس الآية: " ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ" كي تقول للبنات بأنَّ نوارة لم تشي بهن عندما كشفت للمربية عن قصة المقاطعة بل عاملتهن بالمثل والبادئ أظلم. ولذلك يجب عليهن كلهن أن يعتذرن الآن لنوارة ويطلبن أن تسامحهن. ثم تابعت المربية قائلة كنت سأكون سعيدة أكثر لو أن نوارة لم تسمح لزميلاتها "بالنقل" عنها ليس لخوفها من أن تكتشف بل لأنّ النقل هو غش وهي لا تسمح بالغش لكونها مستقيمة وتعلم أن هذا ليس من الأخلاق الحميدة عملا بالحديث الشريف "من غشّ ليس منا" . مع انتهاء الدرس تقدمت البنات من نوارة واعتذرن لها. التفسير النفسي: لم تعامل نوارة بنات صفها معاملة السن بالسن والعين بالعين كما أنها لم تحاول أن تسيء إليهن من منطلق الغيرة أو الانتقام كما فعلن هن أنفسهن. وكل ما أرادته هو أن تدافع عن نفسها. القرآن الكريم يشجع على التعامل مع الناس بالمثل وتقول الآية القرآنية بأنَّ من يعامل الناس كما عاملوه ثم اعتدي عليه من جراء ذلك فإنَّ الله سيقف إلى جانبه ويدعمه والأمر طبيعي وبديهي إذ أنّه من حق الإنسان أن يدافع عن نفسه، لماذا يجب على نوارة أن تصبح ضحية ؟! لقد أحسنت أمها التي هدّأت من روعها أولا بأن أشعرتها بحبها ودعمها لها وثانيا بأن هدتها إلى هذه الآية التي تسمح لها بل تطالبها بأن ترد بالمثل وأن لا تستسلم للظلم والعدوان. كما أحسنت المربية التي وضحت للبنات - وهي تستعمل نفس الآية المهمة التي استعملتها معها أمها - حقّ نوارة في الرد على اعتداءاتهن عليها. كذلك يعلمنا القرآن الكريم شيئا آخر مهما: يجب أن لا تخاف نوارة من الرد على الاعتداء بالمثل، وأنها يجب أن لا تخاف من البنات وعليها أن تخبر معلمتها أو أمها أو أي شخص آخر يمكنه المساعدة لأنّ الله يكون بجانبها لمساعدتها لو فكرن بالإساءة إليها مرة أخرى. |