| كيف يجب أن نستقبل النجاح والفشل؟ |
| الفصل السادس |
|
" وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ" (سورة هود، الآيتان 10- 11) قرّر محمد مع انتقاله إلى الصف السابع أن يحسّن علاماته. قبل كل امتحان حساب استعد محمد جيّدا وفعلا انعكس هذا على علاماته التي ارتفعت من امتحان إلى امتحان: 75، 80، 89، 92 . كان محمد راضيا جدًّا من نفسه وأقنع نفسه بأنه أصبح يفهم المادة جيدا وأنّه لم يعد بحاجة إلى التدرب على حل التمارين الكثيرة كما كان يفعل في بداية السنة الدراسية. قبيل نهاية السنة عين معلم الحساب للصف موعدا لامتحان آخر السنة والذي يمتحن فيه طلابه بكل المواد التي تعلموها خلال السنة الدراسية. بما أن مادة الامتحان واسعة نبه المعلّم الطلاب إلى أنهم، في هذه المرة، بحاجة لكي ينجحوا في الامتحان إلى الاستعداد جيدا وبذل جهود كبيرة وحقيقية. إلا أن محمدا بقي مصرًّا على موقفه بأنه متمكّن من المادة وأنّ الامتحان لن يكون مشكلة بالنسبة إليه. عندما أعاد المعلّم أوراق الامتحان أصابت محمدًا الدهشة إذ تبيّن انه قد رسب في الامتحان. ادّعى محمد : "هذا ظلم، لقد طالعت جيدا للامتحان". طلب محمد من المعلّم أن يعيد له الامتحان. وافق المعلّم أن يعيد الامتحان لمحمد ولعدد آخر من الطلاب الذين رسبوا في الامتحان الأول. هذه المرة درس محمد واستعد فعلا وبشكل جدي للامتحان. عندما أعاد المعلّم للطلاب أوراق الامتحان اتضح أن محمدا رسب مرة أخرى. الأمر الذي جعله يصاب بالاكتئاب وادّعى بأنَّ الله ينتقم منه "ما الذي فعلته له؟!" تساءل محمد. عاد محمد إلى حالة عدم الثقة بالنفس التي رافقته حتى نهاية الصف السادس والتي نجح في التخلّص منها مع دخوله للصف السابع. لقد فكر محمد ووجد أنّه يتوجب عليه أن يدرس المادة كلّها من أولها إلى آخرها ولكنه لم يدرِ كيف يفعل ذلك. ولما لم يجد حلا توجّه إلى المستشارة التربوية في المدرسة. قررت المستشارة التربوية أن تعيد محمدا إلى حالة الثقة بالنفس ولكن ليس إلى الثقة الزائدة بالنّفس. شجّعته على أن يواصل التدرب على حل تمارين الحساب وشرحت له أنّ الامتحانات لا تعكس دائما ما نعرفه بالضبط وما بذلنا لها من جهد واستعداد. ثم أضافت: " قد يحدث أحيانًا أننا نطالع ونستعد لامتحان ما ومع ذلك لا ننجح فيه، ولكن عندما لا نستعد للامتحان فإنَّه من شبه المؤكّد تقريبا أننا سنفشل فيه. لحالتك التي مررت فيها تناسب الآيتان الكريمتان رقم 10- 11 من سورة هود والتي يقول فيهما عز وجلّ:" وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ". صاح محمد: " لا، لا لقد تعلمت الدرس مما حدث معي ومن الآن فإن نجحت فلن أتفاخر ولن أتباهى ولن أقول بأنني بلغت المرام ولا حاجة للدراسة بعد اليوم. لقد تعلمت درسا مهما في الحياة. من الآن سأكون مع الصابرين الذين يعملون الصالحات الذين يعرفون كيف يضبطون جماح أنفسهم " التفسير النفسي: هذه هي طبيعة النفس البشرية. عندما تتلاحق نجاحاته يمتلئ بالكبر والفخر والاعتداد بالنفس وينسى طعم الفشل الذي ذاقه في الماضي. وهذا صحيح في كثير من المجالات فالأشخاص الذين ارتفعوا في سلم الدرجات والوظائف العالية يصبحون غير قادرين أحيانًا على تفهم ما يلاقيه الآخرون من صعوبات (على سبيل المثال الأب الذي لا يفهم ما يواجهه ابنه من صعوبات أو المعلّم الذي لا يفهم ما يواجهه طلابه من صعوبات). هؤلاء الناس يبتعدون في الحقيقة عن أنفسهم ومن المحتمل أن يصابوا في وقت ما بفشل ذريع. فهم يبتعدون عن تلك الأجزاء الأقلّ أمنا الموجودة داخل كل إنسان، إنهم ينكرون وجودها ولذلك من المحتمل أن يقعوا. هذه بالضبط هي قصة محمد. الآن وظيفة المستشارة التربوية هي أن تعيد إلى محمد ثقته المعتدلة بنفسه. هذه الثقة بالنفس التي تقول له أنّه عليه أن يدرس وأن يستعد ويتعب كثيرا لكي ينجح، وأن لا يخاف من الفشل ولكنه في الوقت نفسه لا يقع في فخ الكبرياء والاعتداد بالنفس إثر كل نجاح. محمد الذي يعرف كيف يحافظ على التوازن بين النجاح والفشل ويعرف أن النجاح والفشل محتملان دائما. وها هو القرآن الكريم يأتي ليعلمنا بأنَّ هناك نوعين من البشر ينظر كل نوع منهما إلى النجاح بشكل مختلف الأول لا يحافظ على نفسه وعلى توازنها والآخر يحافظ عليها بشكل جيد، نأمل أن يكون محمد من النوع الثاني. |