رئيسي قرآنت الفصل الخامس ماذا نقول للأب الذي يضرب أولاده؟
ماذا نقول للأب الذي يضرب أولاده؟
الفصل الخامس

" أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (سورة التوبة، الآية 104)

سامي طالب هادئ يجلس دائما في الطالات الأخيرة، بعيدا ... كما أنّه في الاستراحات ينزوي بعيدا عن زملائه. في الآونة الأخيرة حصل تدهور على تحصيله الدراسي انعكس في علامته. كما أنّه لم يعد يحل وظائفه البيتية ولا يشترك في الدرس. انتبهت المعلمة اليوم إلى أن سامي يرتدي قميصا ذا أكمام طويلة على غير المألوف في مثل هذه الفترة الحارة من السنة.

استدعت المعلمة ساميا في الاستراحة وطلبت منه أن يجلس بجانبها. ظهر على سامي أنّه خائف بل مفزوع. جلس سامي بجانبها صامتا دون أن يرفع نظره عن الأرض.

المعلّمة: ألا تشعر بالحرارة ؟

سامي: (ينظر إلى نفسه) لا.

المعلّمة: ما لك؟

سامي: لا شيء.

المعلّمة: لا شيء؟ هل اعتدى عليك أحد؟

سامي: لا، لا، لا (يبدو مفزوعا جدًّا )

المعلّمة: سامي، أنا معلمتك، وأنا ألاحظ بأن شيئا ما يضايقك. أنا أريد أن أساعدك وأريد أن أراك سعيدا تضحك وتلعب مع زملائك.

سامي: أنا بخير.

المعلّمة: إذن لماذا لا تلعب مع زملائك؟

سامي: لا أرغب في اللعب.

المعلّمة: في كل يوم لا ترغب في اللعب؟

سامي: نعم، هكذا أفضل ... (أجهش بالبكاء). لماذا تهتمين بأمري؟ أنا لا استحقّ ذلك، إن أحدا لا يسأل عني ، أنا لا أساوي شيئا. لا أحد يحبني ...

المعلّمة: على العكس أنا أحبك. أنت طالب ممتاز وأمرك يهمني.

سامي: أنا لا أساوي شيئا ... أبي دائما يقول لي ذلك ...

المعلّمة: (بدأت تدرك سر عزلة سامي. القميص ذو الأكمام الطويلة الذي يلبسه سامي في هذا اليوم الحار والجافّ يكشف السرّ الذي يكتمه طالبها الصغير في أعماقه) هل يمكنك أن تشمّر عن ساعديك قليلا؟

بدأ سامي يشمّر عن ساعديه في حين بدأت الدموع تترقرق في عينيه ... بدأت المعلمة تعيد لسامي كمّي قميصه وهي صامته ولكن نارا اشتعلت في صدرها. هبّ سامي راكضا باتجاه الساحة وهبّت هي مسرعة باتجاه غرفة المستشارة التربوية ...

في اليوم التالي حضر الأب إلى لقاء المستشارة التربوية.

المستشارة: أريدك أولا أن تنظر إلى ساحة المدرسة من هذا الشباك أريدك أن تشاهد منظرا ضائعا. (ينظر الأب إلى الأولاد وهم يتراكضون مرحين سعداء ترتسم الابتسامات على وجوههم) هل ترى كل هذه الابتسامات والسعادة التي في الخارج؟

الأب: نعم، ولكنك لم تقولي لي لأيّ غرض دعوتني؟

المستشارة: قبل أن أقول لك، قل لي أنت أين ابتسامة وسعادة ابنك؟

الأب: (يعود إلى النظر إلى الساحة) أنا لا أراه ...

المستشارة: صحيح أنت لا تراه لأنه غير موجود.

الأب: ولكن ابني جاء اليوم إلى المدرسة أنّه ليس غائبا؟

المستشارة: ليس هو الغائب بل ابتسامته هي الغائبة، فهي لم تحضر معه إلى المدرسة.

الأب: (ينظر إليها بصمت...) ولكن ابني نفسه أين هو؟

المستشارة: انظر إلى الزاوية في أقصى الساحة. أنّه بعيد لذلك فأنت لا تراه.

الأب: (ينظر إليه ويرى كيف أنّه يجلس هادئا لوحدة ...) ما الذي حدث له؟ لماذا دعوتموني؟

المستشارة: لأنه فقد الابتسامة.

الأب: ما الذي تقصدينه؟

المستشارة: ابنك يعاني، وهو وحيد، بسبب تنكيلك به. بسبب الضرب الذي تكيله له وبسبب ما تسببه له من ألم - جسماني ونفسي في آنٍ واحد. بسببك ضاع ابنك. انظر كيف يعيش زملاؤه طفولتهم وكيف تلقي أنت بطفولته إلى سلة النفايات. أريد أن أقرأ - بهذه المناسبة- على مسامعك أية واحدة مهمة جدا أريدك أن تفكر فيها جيدا: " أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " باب التوبة مفتوح دائما على مصراعيه وأن تتوب متأخرا خير من أن لا تتوب أبدًا. يمكنك أن تتوب عن عملك هذا وأن تعيد إلى ابنك الابتسامة التي فقدها يمكنك أن تعوضه عن أيام العناء والمعاناة التي مرّ بها بسببك.

الأب: (وهو غارق في التفكير) شكرا لقد فتحتِ عينيّ وجعلتني أصحو من غفلتي، لقد أعدتِ في الأبوة لهذا الولد.

أسرع الأب في الخروج من غرفة المستشارة التربوية. نظرت المستشارة التربوية من شباك غرفتها إلى الزاوية التي ينزوي فيها سامي فلم ترَ فيها ألمَ ومعاناة ولد وحيد بل شاهدت فرحة أب وابن عاد كل منهما إلى الآخر. تحولت زاوية الألم إلى زاوية الفرح والسرور فقد تم العثور على الابتسامة المفقودة. " أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ... " رددت المستشارة التربوية بينها وبين نفسها.

التفسير النفسي: تنتشر في عالمنا اليوم حالات غير قليلة من حالات الضرب أو العقاب الجسماني التي يفقد فيها الأولاد بهجة الحياة كما يفقدون طفولتهم ويعيشون حياة معاناة وبؤس دائمين. من حق الولد أن يكون ولدا. والولد يجب أن يستمتع بطفولته وأن يمرح ويلعب ويزهر. تبدأ طفولة الولد مع ولادته على الوالد أن يهتمّ بابنه أو ابنته منذ أول يوم في حياتهم وليس فقط عندما يكبرون قليلا. على الوالدين أن يضعا الطفل في المركز وأن ينظرا إلى العالم من خلال عينيه لأنّ القرآن الكريم يوصينا برعاية الولد واحترامه. الولد الذي يحظى بحب والديه ينمو ويترعرع كبالغ يمكنه أن يمنح الحب لعائلته ولبيئته وأن يكون شريكا في مجتمع سليم. سامي هو ولد مضروب يبدو أن والده يضربه بين الحين والآخر وبذلك فهو يزرع في نفسيته بأنه شخص لا قيمة له وأنّه لا يساوي شيئا. وهذا هو مصير الأولاد المضروبين. لقد أحسنت المستشارة التربوية التي لم تستعمل التوبيخ أو التأنيب أو حتى اللوم مع الأب كما أنها لم تهدده باللجوء إلى الشرطة أو ما شابه لأنّه إذا عاقبناه كما يعاقب ابنه فإننا لن نجني من ذلك أي فائدة. وبالفعل تصرفت بعكس ذلك وذلك بحنكتها وتجربتها كما دعمت أقوالها التربوية بآية كريمة فعلت فعلها في قلب هذا الشخص وقلبت تصرفاته رأسا على عقب عندما قالت له بأنَّ باب التوبة مفتوح وأن الله يحب التوابين. كما أنها خاطبت عواطفه كأب أكثر من عقله فتحرك هذا القلب وعادت إليه عاطفة الأبوة التي كانت قد تآكلت. والآن لم يبق إلا أن نتأمل في أن يتعلم والد سامي من تصرف المستشارة التربوية الحكيم ويمنح ابنه الحب والاحترام. علينا أن نلاحظ انه في أيامنا القانون يلزم المستشارة التربوية أو أي شخص آخر (معلم / طبيب وإلخ ) يكتشف مثل هذا الضرب عند أحد الأولاد أن يخبر الشرطة لأنّ الدولة ترى من واجبها أن تحمي الأولاد. في مثل هذه الحالة يعاقب القانون الأب عقابا صارما.