| هل من واجب الأب أن يحترم أولاده وأن يهتمّ بهم؟ |
| الفصل الخامس |
|
" قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام، الآية 151) توجّه مربي صف مريم الطالبة في الصف العاشر إلى المستشارة التربوية طالبا منها التدخل ومساعدته على حل مشكلة مريم. أخبر المربي المستشارة بأنَّ مريم في الآونة الأخيرة، على غير عادتها، تنزوي وتبتعد عن جميع الطلاب بالإضافة إلى أنها لم تعد - كسابق عهدها- تشترك في الدروس. لخّص المربي كلامه بقوله : " لم تتصرف مريم على هذا النحو أبدًا وأنا اعتقد أنها تعاني من مشكلة ما". استدعت المستشارة التربوية مريم إلى مكتبها في نفس اليوم وأخبرتها بما قاله لها المربي. أكّدت مريم للمستشارة بأنَّ ملاحظة المربي صحيحة وأنها فعلا تغيّرت في الآونة الأخيرة ثم أضافت: " لكن هذا التغيير لا علاقة له بالمدرسة ولذلك لا أرى أي حاجة أو ضرورة للحديث عنه". شرحت المستشارة التربوية لمريم بأنَّ وظيفتها تملي عليها أن تساعدها أيضًا خارج المدرسة ووعدتها بأنَّ تعمل قصارى جهدها لمساعدتها على حل مشكلتها. عندها أخذت مريم تحكي للمستشارة مشكلتها : "مشكلتي هي في البيت مع والديّ. أنا الآن فتاة كبيرة في الصف العاشر في سن المراهقة ولكني أشعر بأنَّ والديّ لا يحترمانني ولا يعيرانني أي اهتمام إطلاقا. لا يهتمّان بما أشعر أو أفكر كما أنهما لا يصغيان لما أقول أو يعيرانه أي اهتمام حتى لو كان ما أقوله مهما. هذا الأمر يؤلمني كثيرا ويشعرني بأنني لا أساوي شيئا وأكثر من ذلك اشعر بأنَّه لا مكان لي في البيت. إضافة إلى أنهما لا يسمحان لي بشراء أي شيء مهما كان بسيطا وعندما أطلب منهما غرضا شخصيا صغيرا يقولان لي دائما "نحن نوفر لك كل احتياجاتك، ولا شيء ينقصك، كل شيء متوفر في البيت". لقد سئمت هذه الحياة التي فيها لا أجد احتراما أو اهتماما من والديّ كما أنهما لا يعطياني حتى الأشياء الأساسية جدًّا . والدا صديقاتي يتصرفون بشكل مختلف تماما". هدأت المستشارة من روع مريم ووعدتها بأنها ستعالج هذه المشكلة. في اليوم التالي استدعت المستشارة التربوية والديّ مريم ونقلت إليهما شكوى بنتهما مريم وكيف أن هذا الشعور الذي يلازمها بدأ ينعكس على عواطفها وعلى علاقاتها الاجتماعية مع زملائها وكذلك على تحصيلها الدراسي. ثم ختمت أقوالها بأنَّ تناولت من مكتبتها المصحف الشريف وهي تقول :" أريد أن أقرأ على مسامعكما أية مهمة من القرآن الكريم. هذه الآية هي الآية 151 من سورة الأنعام والتي يقول فيها عز وجل: " وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ " سألت المستشارة الوالدين: " هل يرزقكم ربكم ؟ " أجاب الوالدان بنعم . قالت المستشارة :" والآية الكريمة تقول "نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ " أي أن هذا الرزق من الله تعالى معدّ أيضًا لأولادكم إذن لماذا تشعر مريم بالحاجة وأن حاجاتها الأساسية لا تلبى؟!" كان هذا كافيا كي يفهم الوالدان الرسالة. التفسير النفسي: لماذا يتصرف والدا مريم معها بهذا الشكل، هذا ما لا نعرفه. من المحتمل أنهما يتصرفان على هذا النحو مع جميع أولادهما. كما أنّه من المحتمل أنهما، مثل كثير من الوالدين، يميزون بينها كبنت وبين إخوتها الذكور. وربما يشعران الآن بالذات بأنها في سن المراهقة ويجب إخضاعها وإذلالها كي لا تنسى - لا سمح الله - مكانتها كأنثى. على هذا الأساس فهما لا يعيرانها أي اهتمام كما أنهما لا يشتريان لها حتى الأمور الشخصية البسيطة. نسمع أحيانًا من بعض أطباء النساء الذي يقومون بإجراء فحص "الأولترا ساوند" للنساء الحوامل بأن هناك والدين يهمهما جنس الجنين أكثر مما يهمهما كونه سليما أو غير سليم. مثل هؤلاء ينظرون إلى الجنين إذا كان أنثى وكأنه جنين ناقص ولا قيمة له لأنه في رأيهم لن يفيد العائلة. من الجدير بالذكر أن هذه النظرة السلبية إلى الأنثى لا علاقة لها بالقرآن الكريم الذي حارب وأد البنات في الجاهلية واستنكر على الناس عدم استبشارهم بولادة البنات. يقول تعالى في سورة النحل: " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ". لقد أحسنت المستشارة التربوية عندما اهتدت إلى الآية المناسبة التي يدعو فيها الله عز وجل إلى رعاية حقوق الأبناء وتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية واحترامها وإبعاد شبح العوَز عنهم. |