| هل يجب على الأب أن يدعم ابنه حتى يستطيع أن يتعلم؟ |
| الفصل الخامس |
|
" قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ " (سورة الأنعام، الآية 140) سمير طالب في الصف العاشر علاماته عالية فوق المتوسط. يعتقد المعلمون بأنَّ احتمالاته للحصول على شهادة بغروت (توجيهي) كاملة جيدة. في العطلة الصيفية الأخيرة اشتغل سمير في البناء وكان يحكي كثيرا لأصدقائه كم هذا العمل شاقّ. بحسب ما قاله فإنَّ هذا العمل الشاقّ في العطلة الصيفية جعله يعرف قيمة التعليم ويدرك أهميته التقدم في الحياة. يراوده حلم وهو أنه يريد أن يصبح متعلما وأن يبني حياته بحيث يستطيع أن يعيش محترما وأن لا يضطر إلى إرهاق نفسه في الأعمال الشّاقّة. بعد ذلك بأسبوع حكى سمير لأصدقائه بأنّ والده قرر أن "يقتله". طلب الأصدقاء الذين صُعقوا بهذا الخبر توضيحا وتفسيرا لما يقوله. " لقد حكم عليّ والدي بالإعدام عندما قرر أن يقتل أحلامي فقد قال لي بأنه عن طريق العلم والتعليم لا يمكن شراء حتى الطعام وقد وجد لي عملا مربحا في البناء عند أحد أصدقائه. كما أخبرني بأنَّ هذا العمل هو مستقبلي وأنه لا حاجة إلى أن أضيّع سُدى المزيد من سنوات عمري في المدرسة. كما قال لي والدي بأنه لا يملك المال لتعليمي وأنني يجب أن أبدأ بالاهتمام بنفسي وتحصيل قوت يومي لأنني ولد مدلّل لا يحصل على أي دخل وكل ما أعمله هو أنني أضيّع وقتي في اللهو والعبث". حكى سمير لأصدقائه كم يشعر باليأس والإحباط ولا يدري ماذا يفعل لأنه حاول إقناع والده بكل وسيلة متاحة حتى يدعه يكمل تعليمه إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح. ظن سمير بأنه لم يعد معنى لحياته وقد قرر أن يضع لها حدًّا. قلق أصدقاء سمير على صديقهم وشمّروا عن سواعدهم لمساعدته وإنقاذ حياته. لقد وضحوا له بأنَّ الحياة غالية وأنّه يتوجب عليه المحافظة عليها كما وعدوه بأن يحاولوا التحدث مع والده فربما نجحوا في إقناعه. دعا أصدقاءُ سمير والده إلى بيت أحدهم بدون أن يكون سمير موجودا معهم. حكى لهم والد سمير كم يعاني في سبيل إعالة عائلته لكثرة عدد الأولاد الصغار فيها حيث أن سميرًا هو ابنه البكر وهو الوحيد الذي يستطيع أن يساعده على إعالة العائلة بواسطة كسب بعض المال عن طريق خروجه إلى العمل، يجب على سمير أن يضحي من أجل إخوته الصغار. لم يتنازل أصدقاء سمير حيث وضّحوا للأب بأنَّ سميرا هو أيضًا ابنه ومن حقه أن يحصل على جزء من دخل والده. قالوا :" سمير هو الآخر يستحق منك أن تضحي من أجله" وقد كشفوا له عن حالة سمير السيئة وكيف أنّه يائس ومحبط، وأنّه هو أي الأب يسهم في قتل ابنه سمير بقراره هذا. دهش الأب وذهل من أقوال الأصدقاء واستهجن عليهم استعمال كلمة القتل معه وهو الذي يحب أولاده : "ما هذه الكلمات التي تستعملونها ؟ لم يخلق بعد الأب الذي يقتل ابنه! وأنا كل ما أبحث عنه هو مصلحة سمير ومستقبله". عندها كشف له الأصدقاء بأنَّ سميرا ينوي الانتحار. خاف والد سمير جدًّا مما قالوه ولم يدر هل يصدّقهم؟ لكن الأصدقاء هدؤوا من روعه ووعدوه بأن لا يسمحوا له بالقيام بذلك. قال الأب وهو مرتبك جدًّا وحائر ونادم: "لم أفكر للحظة بأنَّ سميرا ابني جديّ إلى هذا الحد في موضوع التعليم ولم أدرك كم هو مهم بالنسبة إليه يبدو أنني كنت أعمى". في هذه اللحظة تناول أحد الأصدقاء من المكتبة المصحف الشريف وقرأ على مسامع الأب وجميع الأصدقاء قوله تعالى في سورة الأنعام " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ " أما في هذه المرة فقد أصغى الأب وبقي صامتا. حيث أنّه يعرف هذه الآية الكريمة ويدرك معناها حيث يتوعد الحق الذين يقتلون أولادهم لضعف عقولهم وجهلهم ويحرّمون ما رزقهم الله كذبا على الله يتوعدهم بالهلاك والخسران وبأنهم ليسوا من أهل الهدى والرّشاد لأنّ التحريم والتحليل يجب أن يكون وفق ما حلله أو حرّمه الله تعالى وليس لأحد أن يحرم ما أحله الله أو يحلل ما حرّمه. عاد أبو سمير من هذه الجلسة إلى بيته وسارع يطرق باب غرفة ابنه سمير: سمير: مَن الطارق؟ الأب: أنا، والدك. سمير: تفضل، ادخل. الأب: كيف حالك يا بنيّ؟ سمير: الحمد لله ... الحقيقة أنني غير "مبسوط" ... الأب: ما الذي يضايقك يا بنيّ؟ أنا أريدك أن تكون دائما بخير. سمير: (مندهشا) أحقا يا والدي؟ الأب: نعم. لقد فهمت اليوم أهمية التعليم بالنسبة إليك. لذلك أنا موافق على أن تواصل تعليمك. وسأساعدك وأدعمك دائما ما دمت قادرا على ذلك، وما يهبني الله من رزق سيكون لجميع أفراد العائلة وأنت واحد منهم ... سمير: (غير مصدق لما يسمعه. قفز يعانق بقوة والده الذي تبلل وجهه بالدموع) ما هذا أنت تبكي يا أبي؟ الأب: لا يا بني، هذه دموع الفرح ... التفسير النفسي: حالة عائلة سمير هي حالة منتشرة جدًّا في كثير من المجتمعات وبالذات لدى العائلات كثيرة الأولاد وذات الدّخل المنخفض. الفقر ليس عيبا ولكنه أمر غير مريح. في هذه القصة الأب يوضع في الامتحان. ماذا يفعل بدخله المتواضع؟ هل سيحسن الاهتمام بالأمور الأكثر أهمية على حساب الأمور الأقلّ أهمية؟ هل سيكون مستعدا للعمل في أعمال شاقة أكثر أو للعمل ساعات إضافية من أجل مستقبل أولاده ومن أجل إخراجهم من دائرة الفقر بواسطة التعليم الذي يضمن لهم مستقبلا أفضل ودخلا مناسبا؟ يطلب من الأب أن يضحي بنفسه من أجل مستقبل أولاده. وهذا الأمر ليس سهلا وليس مفهوما ضمنا. من المؤكّد أنّه لو اشتغل سمير في البناء (كما أراد والده) فإنَّ ذلك يخفف كثيرا من شدة الضائقة المالية التي تعاني منها العائلة. ربما تمكّن من أن يشتغل وأن يتعلم في آن واحد. ولكن في هذه الحالة يتدخل القرآن الكريم بكل عظمته وقوته الأخلاقية ويقول للأب بأن لا يحرم أولاده مما يستطيع أن يقدمه لهم لأنّ من واجبه المقدس كأب هو أن يساعد أولاده ويوفر لهم إمكانيّة التقدم في الحياة من خلال طموحهم لتحقيق النجاح قدر استطاعتهم. كما أن من واجب الأب أن يطمح في أن ينجح أولاده أكثر منه. للأسف هذا ليس قائما في كثير من العائلات وهذا الأمر ليس مفهوما ضمنا لدى جميع العائلات كما أن بعض الآباء لا يريدون لأبنائهم أن يكونوا أفضل منهم أو أن ينجحوا حيث فشلوا هم كما أن بعض الآباء يستغلون أبناءهم ويشغلونهم لكسب الدخل ليتمكنوا هم من أخذ قسط أكبر من الراحة. |