رئيسي قرآنت الفصل الخامس هل من حق اليتيم أن يتعلم؟
هل من حق اليتيم أن يتعلم؟
الفصل الخامس

" وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا " (سورة النساء، الآية 2)

ريم فتاة يتيمة تدرس في الصف الثاني عشر. عندما كانت في العاشرة من عمرها توفيت أمها وتزوج والدها من أخرى. كانت زوجته الثانية امرأة سيئة لا تحب إلا نفسها وقد اعتادت توبيخ زوجها وإهانته بسبب حبّه لريم وتدليله لها. منذ ذلك الوقت لم يكن من الصعب أن يلاحظ الجميع التغيير الذي طرأ على ريم: لقد كانت ريم بنتا مرحة تحب الحياة فأصبحت الآن تنزوي في الصف عبوسة لا يعرف الابتسام طريقا إلى شفتيها. دخلت المربية ذات يوم إلى الصف فوجدت ريم تصرخ باكية : " لماذا تركتني أمي ؟ لماذا ؟ أنا لا أستحق هذا! لماذا أنا بالذات؟" حاولت المربية تهدئة ريم ولكن دون جدوى، لذلك حوّلتها إلى المستشارة التربوية في المدرسة.

المستشارة: ريم، ما الذي جاء بك إليَّ؟

ريم: المربية أرسلتني إليك . أنا لم أرغب في المجيء إليك.

المستشارة: لماذا؟ ما الذي حدث؟

ريم: أنا غاضبة جدًّا ولا أجد رغبة في الكلام. صرخت في داخل الصف فأرسلتني المربية إليك (بغضب).

المستشارة: أنت لست ملزمة بأن تحكي لي ما لا تحبين أن تحكيه ولكن عليك أن تفهمي أنني موجودة هنا من أجل مساعدتك. كما أريدك أن تتأكدي بأنَّ كل كلمة تقولينها تبقى سرًّا بيني وبينك وأنها لن تصل إلى أذن من لا يجب أن تصل إليه.

ريم: (تحكي بألم) أنا يتيمة، أفتقد أمي كان أبي يعاملني معاملة جيدة ولكنه تغير كثيرا بعدما تزوج. زوجة أبي هي المسيطرة في البيت وأبي يرضخ لحكمها. أشعر أنني وحيدة ضائعة بدون أم (تبكي).

المستشارة: هل حدث شيء في الفترة الأخيرة أثار فيك هذه المشاعر الصعبة ؟

ريم: طلبت من أبي نقودا لأدفعها مقابل الاشتراك في دورة تحضير لامتحان القياس السيكولوجي (بسيخومتري) إلا أنّه رفض إعطائي المبلغ المطلوب.

المستشارة: ربما أنّه لا يملك المبلغ المطلوب؟

ريم: والدي إنسان غنيّ لأنه أخذ مبالغ كبيرة من أمي (رحمها الله). تنتمي أمي إلى عائلة غنية وكل ما أخذته من أهلها أعطته لوالدي. الآن يشتري بهذه الأموال الملابس والحلي الثمينة لزوجته. وفي الحقيقة هذه الأموال هي أموال أمي وهو يحرمني منها ولا يعطيني حتى ما يلزمني للدراسة (بغضب)

المستشارة: ريم، هل توجهت مباشرة إلى أبيك وطلبت منه النقود التي تحتاجين إليها؟

ريم: نعم، توجهت إليه وطلبت منه وجها لوجه ولكنه ادّعى بأنه لا يوجد معه.

المستشارة: ريم، أريد أن أقوم بزيارة لوالدك عندما يكون موجودا مع زوجته في البيت وبطريقة غير مباشرة سنحاول التحدث معه.

وافقت ريم فقامت المستشارة بتحديد موعد للزيارة.

المستشارة: جئت لزيارتكم لأننا نقوم بزيارة لطلاب وطالبات الصف الثاني عشر ونتبادل الحديث مع أهاليهم وتقديم المشورة حول مستقبل الطلاب وتشجيعهم ومساعدتهم على تسجيل أولادهم لمتابعة الدراسة في الجامعة.

ريم: أنا ما زلت أنتظر حتى يدفع والدي عني رسوم الاشتراك في دورة التحضير لامتحان القياس السيكولوجي (البسيخومتري).

المستشارة: متى تنوي تسجيلها؟

سكت الأب وراح ينظر إلى زوجته التي فاجأها السؤال فأخذ وجهها يحمر تارة ويصفر تارة أخرى.

المستشارة: هناك أية كريمة كثيرا ما تأثّرت بها أعتقد أنها واردة في سورة النساء، وهي تنطبق على تعاملكم مع ريم، تقول هذه الآية " وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا " حقا، كل الاحترام والتقدير لكما على أنكما تتيحان المجال لريم بل وتشجعانها على مواصلة تعليمها، حقا كل الاحترام والتقدير لكما. (والآن تتحول إلى ريم) هل ترغبين أنت في التسجيل للجامعة؟

ريم: نعم، فأنا أحب التعليم كثيرا. أنا أرغب في أن أدرس في كلية الهندسة وأن أصبح مهندسة كما حلمنا أمي وأنا دائما. ولكنني قبل ذلك يجب أن أدخل دورة التحضير لامتحان القياس السيكولوجي (البسيخومتري).

المستشارة: إذن أسرعي لأنه لم يبق وقت طويل.

التفسير النفسي: اختارت المستشارة التربوية هذه الطريقة من أجل إقناع والد ريم وزوجته - بإرسال ريم إلى الجامعة لمواصلة دراستها العالية - دون أن تمس بكرامتهما أو مشاعرهما وتشعرهما بتقصيرهما . تؤمن المستشارة طبعا بأهمية تعليم البنات ومواصلة الدراسة في الجامعة لأنها تؤمن بأنَّ الأولاد يحتاجون إلى أم حكيمة وقوية وليس إلى أم لا تعرف العالم ولم تخرج من إطار البيت. وهذه الحكمة والقوة لا تتوفران إلا بالتعليم والثقافة. وكانت تردد دائما على مسامع أولياء الأمور مقولتها: "الأم القوية تخلق جيلا قويا". كان بإمكانها بالطبع أن تستدعي الوالد وأن تتحدث معه على انفراد في مكتبها وأن تشرح له أهمية مواصلة ابنته الموهوبة تعليمها في الجامعة. ولكنها رأت من المناسب أكثر أن تحافظ على كرامته كوالد من أجل تحقيق الهدف - وهو مواصلة ريم دراستها في الجامعة. كما أن المستشارة استخدمت بذكاء وحنكة القرآن الكريم الذي يزخر بآيات كثيرة تتعلق بضرورة الوقوف إلى جانب الضعيف والمحتاج ومساعدتهم. بعد أن سمع الأب الآية التي تلتها المستشارة لم يبق له ما يقوله. في محادثات تالية في المستقبل تستطيع المستشارة الحديث مع ريم عن ألمها كبنت يتيمة تحنّ إلى صدر أمها الدافئ وأن تخفف عنها ألمها هذا.