رئيسي قرآنت الفصل الخامس هل يجوز لنا أن نحكم على البنت بناء على تصرفات والدها؟
هل يجوز لنا أن نحكم على البنت بناء على تصرفات والدها؟
الفصل الخامس

" لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ " (سورة البقرة، الآية 272)

 

يُسرى طالبة في الصف التاسع وهي طالبة مؤدبة وهادئة ودمثة الأخلاق ومع ذلك لم يكن لها إلا عدد قليل من الصديقات. تحصيلها الدراسي متوسط. في الآونة الأخيرة حصل تدهور على تحصيلها الدراسي كما أصبحت تميل إلى الانزواء والابتعاد عن صديقاتها القليلات. وقد بدت حزينة بائسة ويائسة حتى أنها بدأت تهمل نفسها.

 

دخل والدها السّجن. يبدو أن هذا هو السبب الذي أفقدها ثقتها بنفسها وبدأت تعاني من الشعور بالنقص والشعور بأنها تختلف عن بقية زميلاتها في الصف. عندما كان الطلاب ينظرون إليها كانت تشعر أنها غير مقبولة وتشعر بالخزي والعار. أما صديقاتها القليلات فلم يفرطن بها ويتنازلن عن صداقتها وأخذن يشجعنها ، باستثناء واحدة هجرتها فعلا بسبب ضغط أمها التي كانت تقول لها: " لا يليق بك وبمكانتك الاجتماعية أن تظهري بصحبتها".

قررت مربية الصف أن تستدعي صديقات يسرى وأن تتباحث معهن حول أحوالها ويفكرن سوية كيف يمكن أن يساعدنها لتتجاوز هذه المرحلة الصعبة. افتتحت المربية جلستها مع صديقات يسرى بتلاوة الآية الكريمة رقم 272 من سورة البقرة: "... وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ". شرحت المربية للبنات تفسيرها لهذه الآية بهذه الكلمات :" تقول الآية بأنَّ ما ينفقه الإنسان من مال في سبيل مرضاة الله تعالى يَعُد نفعُه من الله تعالى على الإنسان نفسه، وما ينفقه الإنسان من مال - مخلصا لوجه الله تعالى - يوفَّ ثوابه كاملا دون أن ينقص من ثوابه شيء، وأنا لا أريد منكن أن تنفقن المال على يسرى بل أريد منكن أن تقدّمن لها المساعدة التي تتمثّل في الوقوف إلى جانبها وتشجيعها في محنتها وكما تقول الآية فإنَّ الله سيجزي فاعل الخير في سبيل الله ثوابا كاملا لا ينقص منه شيء، أي من يعمل المعروف يعمله لنفسه ومن منكن تساعد يسرى فهي في الوقت نفسه تساعد نفسها. أدرك عدد من البنات ما قصدته المربية التي تحدثت عن الشعور الطيب الذي ستشعر به الصديقات بعد أن يقمن بمساعدة صديقتهن هذا بالإضافة إلى الثواب العظيم الذي ينلنه من الله تعالى. كذلك من يدري ماذا سيحصل في المستقبل ومن ستحتاج منهن إلى مساعدة الأخريات. طوال الجلسة بقيت البنت التي طلبت منها أمها الابتعاد عن يسرى صامتة لا تنبس ببنت شفة. ولكنها عندما أنهت المربية حديثها وقفت فجأة وقالت :" أنا الآن اعرف كيف أرد على طلب أمي بالابتعاد عن يسرى سأقرأ لها الآية 272 من سورة البقرة وأنا واثقة من أن هذه الآية كفيلة بإقناعها بأن تسمح لي في الاستمرار في صداقتي مع يسرى". شدّت المربية على يد هذه الطالبة وأكّدت أنّه من الأهم أكثر مما يقوله الآخرون هو ما تقوله هي نفسها وبالذات ما تشعر به بفضل عملها الطيب ومساعدتها لصديقتها ووقوفها إلى جانبها في وقت الضيق.

في اليوم التالي وصل إلى مدير المدرسة ما قامت به المربية مع صديقات يسرى فاستدعاها إلى مكتبه وتناول من مكتبته المصحف الشريف وفتحه على الآية 272 من سورة البقرة وقرأها ثم عقب وأنت أيضًا - أيتها المربية الفاضلة- سيثيبك الله عز وجل على ما قمت به من بذل وعطاء وسيكون ثوابك - إن شاء الله- كاملا غير منقوص.

التفسير النفسي: الفتاة الصغيرة التي يدخل والدها السجن تمر بلا شك بتجربة ليست بسيطة إطلاقا. يميل الناس، أحيانًا كثيرة، في مثل هذه الحالات، إلى تلطيخ العائلة كلها بقولهم "هذا الشبل من ذلك الأسد" أو كما يقول المثل الشعبي "فرخ البط عوام" (أي أن هذا الولد أو هذه البنت لا يكونان مختلفين كثيرا عن والدهما). مثل هذه القول أو مقاطعة البنت والابتعاد عنها من المحتمل أن يدفعها إلى تصرفات تشبه تصرفات الوالد التي أوصلته إلى السجن. عندما تعاقب البيئة البنت بهجرها ومقاطعتها تضطر هذه البنت إلى البحث عن بيئة شريرة تحتضنها وقد تندفع إلى القيام بأعمال تعتبرها انتقاما من البيئة التي هجرتها ودفعتها إلى أحضان الإجرام. ليس صحيحا بأنَّ البنت يجب أن تكون مثل أبيها في كثير من الأحيان يبدو أن العكس هو الصحيح. هناك أولاد لآباء مجرمين يتصرفون بشكل مثالي ويسهمون كثيرا في صالح مجتمعهم. وهذه التعميمات ليست منطقية بالإضافة إلى أنها ضارة. كما انه من المنطق تشجيع يسرى بكل قوة حتى لا تخجل بما فعله والدها لأنّ هذه هي أفعاله وليست أفعالها وليست هي المسئولة عن تصرفاته، القرآن الكريم مليء بالآيات التي تركّز على أن كل إنسان مسئول عن أفعاله ويتحمّل نتائجها والله لا يؤاخذ أي إنسان بما فعله أبوه أو أخوه (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" - الأنعام، 164- أي لا يعمل إنسان عملا سيئا إلا كان إثمه عليه ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى). في حالة يسرى ركزّت المربية على موضوع مهم جدا ألا وهو أننا عندما نقوم بعمل الخير أو الإحسان أو مساعدة الآخرين أو تقديم الدعم المادي لهم فإننا في الوقت نفسه نعمل الخير لأنفسنا، في الدنيا حيث نعترف بضعفنا وندرك بأننا معرضون إلى أن نصبح في يوم ما بحاجة إلى مساعدة أو إحسان أو دعم وتشجيع الآخرين لنا وفي الآخرة- حيث نزيد رصيدنا من الثواب. ونحن عندما نعطي غيرنا - في الحقيقة نعطي أنفسنا ونقبل حقيقة كوننا غير كاملين وأنّه "لا يدوم على ما هو إلا هو". هذه العملية السيكولوجية ذات الدلالة الكبيرة والمهمة يشير إليها القرآن الكريم في هذه الآية.