رئيسي قرآنت الفصل الخامس هل يَحِقّ للأبٍ أن يبخل على أهل بيته؟
هل يَحِقّ للأبٍ أن يبخل على أهل بيته؟
الفصل الخامس

"لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة، الآية 236)

السيدة ريم أم لثلاثة أولاد، وهي تعتني وتهتمّ بأولادها مثل جميع الأمهات. توفّر لهم كل حاجاتهم وتلبي لهم كل رغباتهم، ولا تقصّر في بذل أيّ جهد من أجلهم ومن أجل زوجها وبيتها. في أواخر السنة الدراسية طلب منها ابنها سمير، الطالب في الصف الأول، أن ترافقه في رحلة صفه السنوية. في مثل هذه الرحلات وخاصة في صفوف السن المبكرة (الأول والثاني) ترافق الأمهات أبناءهن. لسبب ما رفضت ريم مرافقة ابنها في هذه الرحلة. كانت هذه أوّل مرّة تردّ فيها طلبا لابنها في موضوع بالنسبة إليه في غاية الأهمّية. اختلقت الأم معاذير شتّى تمنعها من الاشتراك في هذه الرحلة، ووعدت ابنها بأن ترافقه في الرحلة السنوية في السنة القادمة. حكى سمير لمعلمة الصف أن أمه لا تستطيع الاشتراك في الرحلة، ولكن لم يعرف أن يوضّح لمعلّمته سبب ذلك. دعت المعلّمة أم الطالب لزيارتها في المدرسة، لكنّ الأم لم تأتِ للقاء المعلّمة الأمر الذي دفع المعلّمة إلى الاتصال هاتفيًّا بالسيدة ريم، لكي تفهم منها السبب الذي يمنعها من الاشتراك في الرحلة كسائر الأمهات. ذكرت الأم للمعلمة معاذير كثيرة تتعلق بانشغالها بأمور كثيرة ومهمّة في يوم الرحلة. لكنّ المعلّمة لم تقتنع وطلبت أن تزور الأم في بيتها لكي تتحدّث إليها وجهًا لوجه. وحال وصولها إلى البيت أدركت المعلّمة الوضع الذي تعيش فيه السيدة ريم. لقد كان ينقص البيت أشياء أساسية، كالثلاجة والطاولة. وحكت السيدة ريم للمعلّمة بأنها لا تملك تكاليف الرحلة، ناهيك عن المصروف لشراء الثياب والحذاء، التي تُمكّنها من الظهور في الرحلة مثل باقي الأمهات. وأعربت للمعلّمة عن مدى خجلها من الظهور بمظهر بائس أمام الطلاب والأمهات من أجل ابنها. كما أدركت المعلّمة أن الأمر لا يرجع سببه إلى قلّة المال، فالعائلة ليست فقيرة، إلاّ أن زوجها يبخل على زوجته وعلى أفراد أسرته ويحتفظ بالمال لنفسه، فقط.

توجّهت المعلّمة إلى خدمة العلاج النفسيّ لكي تحظى بمساعدتهم لحلّ هذه المشكلة. فكانت إحدى الوسائل التي اقترحوها عليها هي أن تتحدّث مع الأب وتوضّح له أن مصروف العائلة مسؤوليته الخاصّة. إن لكلّ إنسان حقوقًا وواجبات. وعلى الرجل يقع واجب إعالة أفراد عائلته وخصوصًا زوجته، كما هو وارد في الآية 236 من سورة البقرة: "وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ". وهنا، دعت المعلّمة الأب إلى مقابلة وهي واثقة بأن لديها ما تقوله له وما تستند إليه.

التفسير النفسي: لماذا يرفض الأب أن يزوّد أبناء عائلته باحتياجاتهم رغم كونه قادرًا على ذلك؟ إننا لا نعلم. من المُمكن أن يكون أبوه قد سلك سلوكًا كهذا من قَبل، وعامله بقسوة كالتي يُعامل هو بها اليوم زوجته وأولاده. وقد يكون لديه تخوّف حَيال أيّ مصروف مادّيّ من ألاّ يبقى في حيازته مال، وهو الذي نشأ في جوّ من الفقر. وقد يكون يُنكّل بأفراد أسرته بشتى الطرق. إن للبخل أسبابًا عديدة. ولكن قبل أن نحاول فهم وضع الأب، ما هي الظروف التي يمرّ بها، ولماذا يتصرف بمثل هذا السلوك، يجب أن نهتمّ أولاً بقضية الولد سمير وأمه ريم. إن الآية المُقتبسة من القرآن الكريم، تضع الأب في موضع المسؤولية تجاه لوازم أسرته. والآن، فقط، بعد أن أدرك المسؤولية المُلقاة على عاتقه، في إطار أوامر القرآن الكريم، يُمكننا أن نتفرّغ لإجراء حديث عميق معه. نحاول أن نفهم طبيعة طفولته وأسباب بخله، وقد نستطيع أن نقدّم المساعدة له ولأسرته بقلب مُطمئن، وأن نكون فرحين بهذا العطاء.