رئيسي قرآنت الفصل الرابع ماذا نقول لمن يتبع أهواء الآخرين وإشاعاتهم بدلا من أن يعتمد على نفسه؟
ماذا نقول لمن يتبع أهواء الآخرين وإشاعاتهم بدلا من أن يعتمد على نفسه؟
الفصل الرابع

" وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ (سورة الرعد، الآية 37)

نجح أحد المعلمين في مدرسة ما في تحريض مدير المدرسة ضد زميل له في نفس المدرسة. حكى ذلك المعلّم قصصا كثيرة لا أساس ولا أصل لها عن المعلّم الآخر حتى أن المدير بدأ يضايق المعلّم المتّهَم والذي كان معلما مهنيا مخلصا ونشيطا. مع الوقت زادت مضايقات المدير لهذا المعلّم حتى نغّص عليه حياته. عندما لم يعد المعلّم يطيق تنكيل ومضايقة المدير له توجّه إلى المدير وسأله عن سبب معاملته له بهذا الشكل مع أنّه يقوم بعمله بإخلاص ولا يتغيب عن الدوام ولا يثقل على المدير أو الهيئة الإدارية بطلباته الكثيرة؟ روى له المدير جميع القصص التي سمعها عنه من المعلّم الآخر المحرِّض. قال له المعلّم المتهم والمخلص في عمله: " أنت يا حضرة المدير إنسان مثقف وواعٍ ولك مكانتك على مستوى البلدة. كيف حدث أن انجرفت وراء قصص كهذه لا أساس ولا أصل لها، على الرغم من أنك لم تلاحظ مني خلال سنوات خدمتي الطويلة في المدرسة أي تصرف شاذ أو غير لائق؟" أما المدير الذي بقي مُصرًّا على رأيه مقتنعا بصدق هذه الروايات فقد قال مبررا موقفه :" كل شيء جائز لا أحد معصوم عن الخطأ، صحيح أنك مخلص وأن سلوكك في المدرسة لا غبار عليه ولكن من يدري؟!" عاد المعلّم ليقول للمدير بأنَّ الله يعلم الحقيقة وهو يتوقع من إنسان في مثل مركزه ومكانته أن لا ينجرّ وراء مثل هذه القصص الملفقة والتي لا صلة لها بالواقع كما يقول عز وجل: "وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ " في هذه الآية يخاطب الله عز وجل النبي محمدا صلى الله عليه وسلم قائلا له كما أنزلنا على الأنبياء الذين سبقوك كتبا بلسانهم أنزلنا إليك أيضًا كتابا بلسانك ألا وهو القرآن الكريم أما إذا اتبعت أهواء المشركين الكاذبين بعد الحق الذي أُنزل إليك فلن يكون الله ناصرا لك ولن يحميك من عذابه. أما لسان حال المعلّم فيقول: "وأنت أيها المدير بعد أن وضحت لك الحقيقة التي تعرفها جيدا من خلال تعاملي معك طوال سنوات كثيرة واتبعت أهواء المفسدين المحرّضين فإنَّ الله لن يكون معك ولن يغفر لك ما تفعله من مضايقات معي".

التفسير النفسي: في كثير من المرات يتأثّر الأشخاص من قصص دون أن يحاولوا سبر غور حقيقتها. وفي مرات كثيرة أخرى ينشر الأشخاص قصصا ملفقة لا أصل لها عن غيرهم بهدف الإساءة إليهم أو الانتقام منهم. جدير بالشخص الذي يشوه سمعة شخص آخر أن يعاقب وبشدة لأنه بفعلته هذه يمكن أن يسبب إساءة كبيرة قد تصل إلى قتل إنسان (كما يحدث في بعض الحالات التي تنتشر فيها إشاعة كاذبة عن قيام فتاة بالمس بشرف العائلة فيسارع أحد الأقارب إلى قتلها). كذلك من يصدّق هذه الإشاعات الكاذبة والملفقة ويسلّم بها دون أن يتحقق من صحتها جدير بأن ينال عقابه لأنه شريك في الجريمة بتصديق القصص ونقلها إلى الآخرين ، والكثيرون من الناس يحبون بطبيعتهم المغيبة وتناقل أخبار الآخرين وبالذات أخبار السوء. لقد أحسن المعلّم المتهم في توجهه مباشرة إلى المدير ومكاشفته في الموضوع وفي تذكيره بالآية الكريمة التي تدعو إلى اتّباع الحق وليس الدجل والكذب خاصة لأنّ الله منحنا عقلا نميز به بين الحق والباطل والغث والسمين. وهذا الأمر مهم لقيام مجتمع سليم وليس مجتمعا يزخر بالإشاعات والقصص الخيالية الملفقة التي تدمر لحمته الاجتماعية.