رئيسي قرآنت الفصل الرابع كيف نعيد الشخص إلى طريق الصواب دون أن نسيء إليه؟
كيف نعيد الشخص إلى طريق الصواب دون أن نسيء إليه؟
الفصل الرابع

" وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ " (سورة هود، الآية 85)

عليّ هو صاحب حانوت البقالة الوحيدة في القرية لذلك فإنَّ جميع أهل القرية هم من زبائنه. لاحظ سكان القرية أن عليا في الآونة الأخيرة لم يعد نزيها ومستقيما كما كان حيث أنّه أخذ يطفّف في الميزان (أي يخسر الميزان) . إذ أنهم في حوانيت بقالة أخرى (خارج القرية) يحصلون على كمية أكبر مقابل نفس المبلغ من المال. توجه سكان القرية إلى إمام المسجد واشتكوا من تصرفات علي صاحب حانوت البقالة. شرح لهم الشيخ إمام المسجد بأنه لا يحق لهم أن يكيلوا التهم إلى علي بدون أن تتوفّر لهم الأدلة القاطعة على ما ينعتونه به من غش وتلاعب في الميزان ووعدهم أن يفحص الموضوع بنفسه.

في أحد الأيام ذهب الشيخ إلى بقالة علي واشترى عدة حاجيات، وخلال ذلك تحدث مع عليّ حول تحريم الغش وبالذات تطفيف الميزان لأنه حول هذا الموضوع نزلت سورة في القرآن الكريم تتوعد المطففين بالويل هي سورة المطففين والتي تبدأ بقوله تعالى:" وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ..." كما أن جميع الديانات السماوية تحرم ذلك وتحاربه. قال له الشيخ والحديث ليس موجها إليه بشكل شخصي بل بشكل عام بأنَّ من يُخسِر الميزان يخسر في نهاية المطاف كل شيء. لأنه إذا اختلط الحرام بالحلال يفنيه. واستشهد الشيخ أيضًا بقوله تعالى في سورة هود الآية 85 : " وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ". بعد يومين جاء علي إلى الشيخ إمام المسجد واعترف له بأنه كان يخسر الميزان ويطفف في الوزن ثم واصل حديثه قائلا: " ما قلته لي يا شيخ يوم جئتني إلى بقالتي أيقظت ضميري" ثم وجّه سؤاله إلى الشيخ وهو ينظر خجلا إلى الأرض: " قل لي يا شيخي الجليل ماذا عليَّ أن أفعل كي أكفّر عن خطيئتي حتى يسامحني ربي؟ أرشده الشيخ إلى الطريق الصحيح للتعامل بصدق ونزاهة مرضيا ربه ونبيه وأهل قريته. شكر علي الشيخ على إرشاده وعلى أنّه لم يفضحه ويسئ إليه مع أنّه علم بغشه واختار أن يعظه بطريقة غير مباشرة حتى لا يجرح مشاعره.

التفسير النفسي: حكمة الشيخ إمام المسجد مؤثّرة جدا. لو أنّه جاء إلى علي وقال له إنّ الناس في القرية يقولون عنك كذا وكذا أو أنّه ضبط عليا وهو يخسر الميزان بأن يزن ما اشتراه مرة أخرى لشعر علي بأنّه بحاجة إلى أن يدافع عن نفسه ولكان من الصّعب عليه أن يعترف بما قام به. وكان سيبحث لعمله أمام الشيخ عن مبررات كثيرة لا أول لها ولا آخر وما كانت النتيجة مرضية للجميع كما حدث. لكن الشيخ بحنكته وحكمته لمّح لعلي بأنه يعرف أنّه يقوم بتطفيف الميزان وسرقة الناس أهل بلده وكل ذلك دون أي يشعره بالإساءة، لأنه تحدث عن المطففين بشكل عام دون أن يقول له بأنه واحد منهم. وهكذا وفّر لعلي الفرصة لمحاسبة نفسه والحضور إليه للاعتراف والبحث عن وسيلة لتكفير خطيئته دون أن يتم التشهير به وبسمعته ودون أن يجعل الناس يقاطعونه. هذه الحكمة لا تُدرّس في أي مدرسة أو جامعة باستثناء مدرسة الحياة التي خرجت هذا الشيخ الفاضل. علي يعلم والشيخ أيضًا يعلم نفس الحقيقة - وهي أن عليا يسرق أهل البلد بوازن الغش في الميزان. لو قال ذلك أي شخص من القرية لعلي لكان في ذلك تشهير بعلي ومس بكرامته مما يجعله ينكر أو يحاول إيجاد المبررات وما شابه. وهذا ما علمنا إياه القرآن الكريم أن نوفّي الميزان وأن لا نخسره وأن لا نسرق وقد عرف الشيخ بحكمته كيف ينقل هذه الرسالة إلى علي دون أن يسبب له أية إساءة.