| ماذا يفعل الولد الذي أُدين بالسرقة؟ |
| الفصل الرابع |
|
" إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (سورة النساء، الآية 58)
منذ أسبوعين والطالب عليّ الذي يتعلم في الصف السادس، ، يتصرّف بشكل غريب في المدرسة وكذلك في البيت. لقد توقف تقريبا عن الكلام وفي كل صباح كان يشكو من ألم شديد في بطنه وبذلك يبرر عدم رغبته في الذهاب إلى المدرسة. وهو لا يشرح أو يفسر هذا التصرف. وعندما كان يجبر على الذهاب إلى المدرسة كان يجهش بالبكاء. لقد تمادى أخيرًا في تذمره وأخذ يشكو من أنه لا يستطيع أن ينهض من السرير وأن يقف على رجليه. وعندما كانت أمه تسمح له بالبقاء في البيت كان ينهض من السرير بعد ساعة تقريبا من بدء الدوام المدرسي ويتجول في البيت وكأن شيئا لم يكن. وعندما كانت أمه تريد الخروج من البيت كان يتمسك بها ويطلب منها أن لا تتركه لوحده في البيت كما انه لا يخرج للعب مع أصدقائه. أما عندما كان يذهب إلى المدرسة فقد كان يشكو من ألم في بطنه بعد الدرس الثالث، وعندها كانت تتصل سكرتيرة المدرسة بوالدته التي كانت تحضر لتعيده إلى البيت. تقول مربية الصف بأنّه يظهر عليه أنّه خائف من شيء ما. روت الأم لمربية صف عليّ بأن عليا استيقظ في الليلة الفائتة وهو يرتجف ويبكي وجسمه مبلل من كثرة العرق. تعلق بأمه ولم يدعها تعود إلى سريرها أرادها أن تنام إلى جانبه.
على ضوء ذلك قررت المربية أن تستدعي عليا لمحادثة لتستوضح منه ما الذي سبب له هذا التغيير في سلوكه وتصرفاته. وعدت المربية طالبها بأنها تريد مصلحته وأنها تريد مساعدته ولا يوجد أي سبب يجعله يخاف من أي شيء فالهيئة التدريسية كلها تريد مصلحته. عندما اطمأن علي حكى لمربية صفه كيف أن أصدقاءه في الصف يقومون بسرقة زملائهم ويخبئون ما يسرقون في حقيبته وفي طريق عودتهم من المدرسة يأخذون من حقيبته كل ما سرقوه. كما أنهم هددوه بأنهم سينتقمون منه بالضرب إذا كشف سرّهم. نظرت المربية إلى عليّ الذي يجلس أمامها خائفا مفزوعا وقالت له: "قبل كل شيء أنت طالب شجاع لأنك قلت الحقيقة. لذلك كل الاحترام لك. والآن أريد أن اقرأ معك أية كريمة من المصحف الشريف، فتحت المربية المصحف على الآية 58 من سورة النساء وقرأت: " إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ". ثم بدأت المربية تشرح وتتساءل: "إذا كنا مطالبين بتأدية الأمانات إلى أصحابها، فما قولك يا عليّ عن السرقة؟". ردّ علي وقد تشجّع قليلا: "في المرة القادمة لن أخاف ولن أوافق على أن يضعوا شيئا من سرقاتهم في حقيبتي وإذا وضعوا شيئا فإنني سأعيده إلى أصحابه كما تنصّ هذه الآية الكريمة". ممتاز يا علي، كثيرة هي الآيات القرآنية التي تنص على تحريم السرقة وعلى قول الإنسان الحقيقة ولو على نفسه كما أن الله يعد قائل الحقيقة بالثواب الجزيل والحماية من كل شر، كما لا يخفى عليك القول الشائع "حبل الكذب قصير" والحديث النبوي الشريف "قل الحقَّ ولو على نفسك" أو القول "الصدق منجاة والكذب مهواة" وغيرها من الأقوال الكثيرة ولذلك الإنسان الصادق الذي يقول الحق يجب ألا يخاف أحدا لأنّ الله يكون معه ". أنهت المربية جلستها مع علي بهذه الكلمات ثم بادرت إلى استدعاء أصدقائه ... التفسير النفسي: كثير من الأولاد يكونون رهينة في أيدي طلاب آخرين أقوى وأشدّ بطشا منهم. من المهم جدًّا أن نعمل نحن المعلمين على حماية هؤلاء الطلاب لأنّ استغلال الطالب القوي للطالب الضعيف ليس ضمن الأهداف التي أقيمت المدارس من أجل تحقيقها. يذهب الطلاب إلى المدرسة لتحصيل العلم وهذا التحصيل لا يتحقق مع الخوف. من المهم جدا أن لا يرضخ المعلّم نفسُه أمام عنف الطلاب وتخويفهم لأنه إذا رضخ للعنف بأي شكل من الأشكال ويفضِّل أو يميّز ( يفضل) بأي طريقة كانت، طالبا عنيفا فإنّه لا يستطيع أن يقول لطلابه بأنَّ العنف ليس مربحًا. وعندها سيعرف جميع الطلاب أن قانون الغاب هو القانون السائد وأن الحق للقوّة وليس لصاحب الحق. لذلك في كل مرة يشعر فيها المعلّم بأنَّ الخوف أو التهديد يسود الجوّ في أحد الصفوف أو في المدرسة عليه أن يعمل فورا من أجل إنهاء هذه الحالة بأسرع وقت ممكن. في الحالات المتطرفة عندما يشعر المعلّم بأنه لا يستطيع السيطرة على الوضع، يستطيع الاستعانة بالشرطة أو أي سلطة خارجية يمكنها أن تفرض النظام وتزيل هاجس الخوف من صدور الطلاب. وشيء آخر مهم يجب أن لا نضع رؤوسنا في الرمل وأن نتجاهل وجود العنف ونتصرف وكأننا لا نرى العنف الذي يدور في صفنا أو مدرستنا. |