رئيسي قرآنت الفصل الرابع كيف نعيد لصا إلى سواء السبيل؟
كيف نعيد لصا إلى سواء السبيل؟
الفصل الرابع

" أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (سورة التوبة، الآية 104)

تنبهت أم عامر - الطالب في الصف الخامس- إلى أنه طرأ في الأسبوع الأخير تغيير على سلوك ابنها. توجهت الأم إلى مربي صف ابنها وطلبت منه أن يفحص إذا كانت هناك أمور تضايق ابنها في المدرسة وتتسبب في هذا التغيير الذي طرأ على سلوكه. حكت الأم بأنَّ عامرا يتصرف في الأسبوع الأخير بشكل غريب. على سبيل المثال عندما ينام عامر في سريره يغطي رأسه باللّحاف كمن يحاول أن يخفي نفسه كما أنّه يرفض مؤخرا الذهاب لوحده إلى بيت جدته وغيرها من التصرفات التي أثارت استغرابها ودفعتها إلى التوجه إلى المربي.

استدعى مربي الصف عامرا لمحادثة ومن هذه المحادثة فهم المربي بأنَّ عامرا كان شريكا في عملية سرقة أموال الرحلة السنوية من حقيبة الطالب الذي كان يجمع الأموال من الطلاب. في المحادثة الثانية شكا عامر للمربي بأنَّ شريكه في عملية السرقة يهدده ويتوعده بالضرب إذا كشف عن السرقة. حكى عامر هذا للمربي وكانت فرائصه ترتعد من شدة الخوف فهو يخشى أن يفصله المدير من المدرسة والأنكى من ذلك أن لا يغفر الله له خطيئته هذه وخاصة لأنّ أولياء أمور الطلاب تعبوا في توفير هذا المال لكيلا يحرموا أبناءهم من الاشتراك في الرحلة السنوية. وضّح المربي لعامر الخطأ الذي ارتكبه وفرض عليه القيام بمهمة لصالح الجمهور في المدرسة للتكفير عن خطيئته. كما أضاف المربي وطمأن عامرا بأنَّ الله سيغفر له خطيئته وأنه يقبل توبة عباده إذا كانت توبته صادقة وإذا كان نادما فعلا عليها وطبعا إذا عاد إلى طاعة الله وامتنع عن القيام بمثلها أو بأي معصية أخرى في المستقبل وذلك وفقا لقوله تعالى في سورة التوبة في الآية 104 :" أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" أدرك عامر خطورة ما قام به وندم ووعد بألا يعود إليه ولكنه في الوقت نفسه شعر براحة نفسية لأنّ الله سيغفر له خطيئته ويشمله برحمته ورضوانه.

التفسير النفسي: موضوع العقاب والمغفرة يحتاج إلى التوازن. نحن نريد أن يعي عامر خطورة العمل الذي قام به، ولكنه إذا خاف أكثر من اللازم ولم يرَ إمكانيّة النجاة من العقوبة فإننا قد نخطئ الغاية. على عامر أن يمتنع عن السرقة ليس بسبب خوفه بل نتيجة لإدراكه بأنَّ هذا العمل فيه إساءة كبيرة للآخرين (حرمانهم من الرحلة مثلا). إذا امتنع عامر عن السرقة بسبب خوفه من أن يعاقب فإنّه إذا اطمأنّ إلى أن أحدا لا يراه فسيحاول أن يسرق مرة ثانية وثالثة. لذلك فان الخوف ليس هو الوسيلة المفضلة لمعالجة مثل هذه الحالات. الفرق بين الولد الذي يسرق بسبب الخوف وبين الولد الذي لا يسرق لأنه غير مستعد لأن يسيء إلى الغير هو فرق شاسع جدًّا . الأول يمتنع بسبب دوافع خارجية والثاني بسبب دوافع داخلية. ونحن نفضل التربية النابعة من الداخل والتي ترافق الإنسان في كل زمان ومكان وغير مرتبطة بالبيئة التي يمكن أن تتغيّر. بعد أن قام عامر بعملية سرقة يجب أن يعاقب بعقوبة تربوية. أي يجب أن يكون رد الفعل على عمله ملائما لفعلته ومصححا لها. على سبيل المثال: العمل لصالح الجمهور من أجل تصليح الضرر الذي تسبب فيه للمجتمع أو أن يقدم تعويضا ماليا لمن سرق منه ماله. من المهم أن تكون العلاقة بين ما عمله عامر وبين عقوبته علاقة واضحة حتى يسهل على عامر تذويت قواعد سلوك جديدة. كما أنه من المهم أن لا نغلق باب الأمل أمام عامر أي باب التوبة والمسامحة التي ستتاح له إذا صلح سلوكه وتصرفاته. بدون الصفح والمغفرة لن نوفر لعامر سببا لتغيير سلوكه وتحسين تصرفاته وبذلك تظهر أمامنا عظمة القرآن الكريم.