رئيسي قرآنت الفصل الرابع ماذا نقول للولد الذي ينضم إلى "شلة" من الأشرار ؟
ماذا نقول للولد الذي ينضم إلى "شلة" من الأشرار ؟
الفصل الرابع

" خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " (سورة الأعراف، الآية 199)

في أحد الأيام اتّصل والد يوسف، الذي يدرس في الصف العاشر، مع المستشارة التربوية وقال لها بأنه بحاجة إلى التحدّث معها حول ابنه. عبّر الوالد في حديثه مع المستشارة التربوية عن قلقه الشديد على ابنه: صحيح أنّه ما زال طالبا جيدا ولكنه في الآونة الأخيرة انضم إلى "شلة" شباب تسربوا من المدرسة وهم يجوبون شوارع البلدة ويقومون بأعمال تخريب. يقول لي الكثيرون من أبناء البلدة: " لماذا يصاحب ابنك يوسف هذه "الشلة" التي لا تناسبه ؟!". حاولت أن أتحدث مع يوسف وأن أوجهه إلى الطريق المستقيم ولكنه في الآونة الأخيرة غير مستعد لأن يسمع مني أو يمتثل لتوجيهاتي. يدّعي يوسف بأنه يستمتع بصحبة هؤلاء الأصدقاء وأنهم، في رأيه، ليسوا شريرين إطلاقا. ثم أضاف الوالد يقول للمستشارة التربوية : " ما يثير غضبي وعصبيتي أنّه يوجد لنا جار في صف يوسف وهو طالب ممتاز في تحصيله وأخلاقه وهو يحاول أن يتقرّب من يوسف إلا أن يوسف يرفضه ولا يريده صديقا له لأنه ينتمي إلى عائلة فقيرة".

سارعت المستشارة التربوية في اليوم التالي إلى استدعاء يوسف إلى غرفتها وحكت له عن شكوى والده. بعد ذلك تناولت من مكتبتها المصحف الشريف وفتحته على سورة الأعراف وطلبت منه أن يقرأ الآية رقم 199 بصوت مرتفع: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ". ماذا فهمت يا يوسف من هذه الآية الكريمة؟ أجاب يوسف بأنَّ القرآن الكريم يأمرنا بأن نقبل بالعرف والأخلاق الحميدة من الناس وأن نعرض ونبتعد عن السفهاء والجهلة الأشرار وأهل السوء. قالت المستشارة التربوية:

صحيح، ولكنك نسيت شيئا واحدا. سألها يوسف مستغربا : ما هو ؟ أجابت : الإحسان إلى الجار الذي يحاول الاقتراب منك وألا تبتعد عنه بسبب كونه فقيرا، الأمثال الشعبية التي توصي على الجار كثيرة جدا مثل : "جارك القريب ولا أخوك البعيد". أضاف يوسف : "عليك بالجار ولو جار". وهذا طبعا - أضافت المستشارة التربوية

كله في أعقاب الأحاديث النبوية الكثيرة التي توصي على الجار والتي أهمها : قول النبي صلى الله عليه وسلّم: " مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت إنه سيورثه". (أي سيجعله واحدا من أهل البيت له حق في الميراث).

التفسير النفسي: لا شيء يشبه القرآن الكريم في دعوته إلى الرحمة والإحسان. الأمر القرآني الذي لا هوادة فيه والذي يفرض علينا جميعا أن نرحم الآخرين يتكرر مرارا كثيرا جدًّا في القرآن الكريم. والقرآن يطلب من يوسف أيضًا أن يبتعد عن أصدقاء السوء وعن الأصدقاء السفهاء والأشرار. الرحمة من جهة والابتعاد عن الشر هما وصيتان يمكن أن ترسما الطريق القويم لحياة يوسف. هذه الآية الكريمة يمكن أن يستخدمها الكثير من أولياء الأمور الذين يكتشفون انحرافا في سلوك أولادهم ومصاحبتهم لـ " شلة" غير مرغوب فيها لسوء أخلاقها وتصرفاتها. فهم يستطيعون أن يظهروا لهم بأنهم بتصرفهم هذا لا يعرضون عن السفهاء والجهلة وفي الوقت نفسه لا يرحمون ويحسنون إلى الأصدقاء الأخيار والطيبين. التراحم هو أحد العواطف النبيلة التي يمتاز به المجتمع العربي حتى انه يجعل الفرد يدخل إلى جسم الآخر ويشعر بما يشعر به. في المجتمعات الغربية المعاصرة لا يحب الناس أن يرحموا بعضهم إنهم على استعداد على أن يتفهموا الآخر ولكن لا أن يتعاطفوا معه كلية كما هو مألوف في المجتمعات التقليدية.