رئيسي قرآنت الفصل الرابع هل باب التوبة مفتوح دائمًا؟
هل باب التوبة مفتوح دائمًا؟
الفصل الرابع

"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (سورة آل عمران، الآية 89)

يتعلّم بلال في الصف التاسع. عندما يرجع كلّ يوم من المدرسة إلى البيت، يدخل مباشرة إلى غرفته ويُغلق على نفسه الباب. يقضي طول النهار في الغرفة ولا يدَع أمّه تدخل عليه غرفته. يقول لها بأن الغرفة نظيفة وبأنه يقوم بترتيبها بنفسه. بسبب هذا السلوك غير الطبيعي تسرّب الشك إلى قلب أمه بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. وقرّرت أن تزور مدرسة ابنها بلال بصورة مفاجئة لكي تسمع عن سلوكه في المدرسة، وتعرف مَن هم أصدقاؤه ورفاقه هناك. عندما جلست مع مُربّي الصف وسألته عن أحوال ابنها بلال قال لها: "بلال لم يحضر اليوم إلى المدرسة وهو كثير الغياب في الآونة الأخيرة". فزعت الأمّ مما سمعت. ثم أخبرت المربي بأن بلالاً قد تغيّر كثيرا في الفترة الأخيرة وبأن سلوكه أصبح غريبًا. أكّد الأستاذ مربي الصف كلام الأمّ وهو يقول :" إن بلالاً، ابنها، يدخل إلى الصف بصورة عصبية ويتشاجر مع زملائه في الصف لقد سبق لي وحذّرتهُ في أعقاب تكرر الشكاوى ضده، وعد بأن يُحسّن سلوكه ولكن سلوكه لم يتغيّر".

على ضوء هذه المعلومات التي نقلتها الأم إلى زوجها أخذ أبوه يتعقّبه حتى اكتشف أنه يُصاحب مجموعة (شلة) من الشباب في الصفوف الثانوية العُليا، تقوم هذه الشلة باقتحام بيوت في القرية يسرقون منها ما يجدونه من حلي ومجوهرات ذهبية وفضية ويبيعونها لعدد من تجار الذهب. تسلّحت هذه المجموعة بأنواع مختلفة من المفاتيح والأدوات التي تُستعمل للاقتحام والسطو. وقد عثر والداه على قسم من هذه الأدوات مخبأة في غرفة بلال عندما قام والده بتفتيشها وهو غائب، كما عثروا فيها على بعض المُمتلكات المسروقة. احتار والداه في أمرهم، هل يُخبرون الشرطة؟ وبعد تفكير قرر أن يدعو ابنه وأن يحاول اصلاحه بنفسه وإذا لم يرتدع ويعود إلى صوابه فسيلجأ إلى الشرطة. دعا الأب ابنه بلالاً للتحدّث معه، استهلّ الأب كلامه بقوله تعالى في الآية الكريمة 89 من سورة آل عمران: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ". ولم يكُن هذا الأب بحاجة إلى أن يُضيف على كلام الله تعالى شيئًا، لأن ابنه بلالاً قد أدرك أن أمره قد اكتشف فأخذ يبكي واعترف لوالده بكلّ شيء.

التفسير النفسي: يقول الشاعر: "والله يقبلُ منّا الصلاة بعد الأوان". فخيرٌ أن تُنجز الأمر متأخرًا من ألاّ تُنجزه أبدًا. إن اهتمام أهل بلال به جاء مُتأخرًا. وقد تكون هناك بعض الإشارات المُسبّقة الدالّة على أنه لا يتعلم، ولا يذهب إلى المدرسة، وأنه على علاقة بهؤلاء الشبّان الشاذّين. ينعزل في غرفته، ولعله يخرج ليلاً من البيت. بقدر ما تكون العلاقة بين الآباء والأولاد قريبة ووثيقة، بقدر ما تكون احتمالات وقوع مثل هذه الحوادث قليلة ونادرة. لذلك من الضروري أن يُحافظ الآباء على علاقتهم بأولادهم وبأصدقاء أولادهم ومعلّميهم. ليس المقصود أن تكون علاقة هدفها تشديد الخناق والنقد اللاذع، إنما علاقة الهدف منها هو الاهتمام الحقيقيّ بحياة الولد والنيّة الصادقة لمُساعدته. جميل ما فعله الأب حين قرأ على ابنه آية من القرآن الكريم بدل أن ينهال عليه بالصراخ والعقاب. لقد أدرك بلال مدى تألّم أبيه، وخيبة الأمل التي لحقت به بسببه. وأن الآية الهامّة من القرآن الكريم زرعت في قلب بلال الأمل بأن يحظى بعفو والديه عنه إن هو غيّر سلوكه الشاذّ هذا.