رئيسي قرآنت الفصل الثالث هل من مصلحة البنت أن تتفوّق في الدراسة؟
هل من مصلحة البنت أن تتفوّق في الدراسة؟
الفصل الثالث

" فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ واللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ " (سورة آل عمران، الآية 195)

نور طالبة في الصف السادس وهي طالبة موهوبة يعرف حقيقتها هذه جميع معلميها. ولكنها لا تكاد تشترك في الدروس. عندما تُسأل تُجيب ولكنها لا تبادر بمحض إرادتها إلى رفع إصبعها والاشتراك في الدرس وإثبات قدرتها ومعرفتها، بل تجلس هادئة صامتة إلا إذا سئلت. استدعت المربية أم نور للتّشاور معها حول سلوك بنتها نور. وقد جلستا معا في إحدى الغرف وقد دارت بينهما المحادثة التالية:

المعلمة: أودّ أن ألفت انتباهك إلى أن نور لا تبذل جهدها لكي تنجح وتتفوق مع أنني أعلم يقينا أنها موهوبة وتملك القدرة على النجاح والتفوق. وقد استدعيتك لأنني أريد أن أسمع منك ما هي مشكلة نور.

الأم: توجد لي بنت أكبر من نور ولكنها قد تزوجت وهي بنت سبع عشرة سنة. وهي أيضًا كانت طالبة متفوقة ولكن والدها لم يرغب في أن تكمل دراستها فقد زوّجها قبل أن تنهي الدراسة في المدرسة الثانوية. حاولت في حينه أن أغيّر رأيه ولكنه كان دائما يقول لي: أنت أيضًا تزوجت بنت ست عشرة سنة. لذلك تقول نور بأنه لا فائدة من الاجتهاد ومن التفوق لأنّ والدها سيزوّجها وستضطر إلى التوقف عن الدراسة قبل إنهائها المرحلة الثانوية. تقول نور: " خسارة على الجهد والتعب لأنني سأنجح وأتفوق ولكن جهدي واجتهادي سيذهبان أدراج الرياح ".

المعلمة: (وهي تدعو نور لتدخل إلى الغرفة) أصغي إليّ يا نور أنت تعرفين عن أي شيء أتحدث مع والدتك. أتحدث معها عن كونك موهوبة ولكنك لا تبذلين أي جهد في المطالعة وحل الوظائف البيتية والاشتراك في الدروس ولا تحاولين حتى الظهور كمن تعرفين. لقد حكت لي أمّك عن أختك التي تركت المدرسة وتزوجت وهي في سن سبع عشرة سنة. ولكن عليك أن تعلمي أن الله يراك ويرعاك ويحفظك. وأنا ارغب في أن اقرأ عليك الآية 195 من سورة آل عمران: " " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ... ". هل تفهمين ما يقوله لنا القرآن الكريم في هذه الآية ؟

نور: يقول بأن الله لا يضيع جُهد مَن عمل منا عملا صالحا ذكرا كان أم أنثى، إذ أن الذكر والأنثى سواء في قبول الأعمال والجزاء عليها لأنّ بعضنا يلد بعضا وخلقنا من نفس واحدة.

المعلمة: أترين، يا نور، كم أنت موهوبة وسريعة الفهم والاستيعاب ؟! وأنا على يقين بأنك إذا بذلت جهدا فإنّك ستحققين نجاحا كبيرا في كل مجال تدخلينه وأنت وأمك عليكما أن تبذلا جهديكما لإقناع والدك وعليك أن تتذكري بأنَّ الملائكة تضع جناحيها خدمة لطالب العلم كما أنني واثقة من أن الله سيأخذ بيدك ويد أمك وسيقتنع والدك وتستطيعين متابعة دراستك. ولكن عليك أن تعرفي كيف تستغلين الفرص وأن لا تسمحي لليأس بأن يدخل إلى قلبك. أما هنا في المدرسة فأنا مستعدة دائما لمساعدتك، تستطيعين أن تتوجهي إلي في كل موضوع أو مشكلة تواجهينها. كما أننا نستطيع- عند الحاجة - أن نجنّد الشيخ (إمام المسجد) ليساعدنا على إقناع والدك فهو رجل يحب العلم ويشجع على طلبه فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة كما يقول الحديث الشريف. المهم هو أن لا تستلمي وأن لا تسلمي نفسك لليأس وتذكري دائما قوله تعالى: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ... ".

التفسير النفسي: قضية التعليم هي قضية إشكالية. عدد لا بأس به من العائلات لا تسمح لبناتها بإنهاء الدراسة الثانوية إذ أنها تلقي عليها القيام بمهمة الأم ربة البيت. وهذا ليس لمجرد مساعدة أمها في العمل بل لهدفين الأول المحافظة على شرف البنت وعرضها والثاني تعليم البنت وتدريبها على الأعمال المنزلية لتكون ربة بيت جيدة تقوم برعاية منزلها وتربية أولادها في المستقبل. مع أن النوايا طيبة إلا أن الخسارة كبيرة. إذ أن المجتمع يخسر النساء القويات والموهوبات اللواتي يمكنهن أن يسهمن في تطوير وتقدم المجتمع بشكل عامّ وعائلاتهن وأولادهن بشكل خاصّ. الأم التي تعلمت وتثقفت لا شك أنها قادرة أكثر من غيرها على تربية جيل قويّ وواعٍ ومتعلم، في حين أن الأم التي لم تتعلم ولم تخرج من بيتها فإنها تكون ضعيفة ولا شك تنقل ضعفها وتخوفها إلى أولادها. عادة تزويج البنات في سن مبكرة وعدم السماح لهن بإكمال تعليمهن تعود في الأساس إلى تقاليد وعادات قديمة ولا تمت إلى القرآن الكريم بأي صلة، بل على العكس تقول هذه الآية الكريمة والمهمة بأنَّ الرجال والنساء بعضهم من بعض وأنهما خلقا من نفس واحدة وأن الله يجازي كل إنسان ، حسب أعماله وليس حسب لون بشرته أو جنسه. البنت التي تتعلّم وتبذل جهدها وتنجح في تعليمها جديرة بالحصول على راتب لا يقلّ بشيء عن راتب الشاب الذي يتعلم وينجح. لم يبقَ لنا إلا أن نأمل أن تنجح نور وأمها ومعلمتها والشيخ في إقناع والد نور في السماح لها بأن تتقدم في دراستها وتحصيلها مثلها مثل زملائها من الذكور.