رئيسي قرآنت الفصل الثالث كيف يجب علينا أن نُعامل النساء؟
كيف يجب علينا أن نُعامل النساء؟
الفصل الثالث

" وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ" (سورة البقرة، الآية 235)

ميّادة طالبة في المدرسة الثانوية، وهي فتاة أنيقة وبشوشة، تُكثر من الكلام والضحك مع كلّ مَن حولها. وفي الآونة الأخيرة أخذت تتكلّم من دون انقطاع عن الرومانسية والحبّ، فتُري صديقاتها السِوار الذي يزيّن ساعدها والخاتم الجديد الذي على إصبع يدها، وتكشف لهنّ أنّ هذه الهدايا من صديقها الذي يُحبّها حُبًّا جَمًّا. يريد هذا الصديق الحبيب الزواج بها، كما تدّعي، أما هي فلا تُفكّر، حاليًّا، في الزواج. تقول ميّادة إن هناك عددًا كبيرًا من الشباب الذين يهتمّون بها، لكنها سوف تُخطب عندما يحين الوقت لصديقها، بالطبع.

في أحد الأيام، لفت انتباه ميّادة أن رفيقاتها ينظُرن إليها ويتهامسْن. وكذلك فعل رفاقها الشبّان. وعندما استفسرت عن سر هذه النظرات الغريبة اتضح لها أن صديقها ينشر عنها الإشاعات ويقول لكل من يريد أن يسمع من زملائها وزميلاتها بأنه يُقابلها سِرًّا، وأنها تُحبه إلى حدّ الغرام. وقال إنها تكتب له الرسائل، وتشتري له الهدايا، وأنها تُصدّق ادّعاءَه بأنه يُحبها. وختم أقواله بقوله "إنها تبني أبراجًا في الهواء لأنني صرّحتُ لها بأنني أحبها". لقد شعرت ميّادة أن جميع الرفاق يسخرون منها، ويُعاملونها بطريقة مختلفة تمامًا.

والحزن يعتصر قلبها توجّهت إلى المستشارة التربوية في المدرسة وحكت لها أن هناك، فعلاً، كلامًا بينها وبين ذلك الصديق عبر الهاتف يمتدّ ساعات، وأنها تلتقي معه في السرّ، وبأنه يقول لها دائمًا إنه يتوق إلى لقائها، وبأنه يشتري لها الهدايا بشكل دائم. وفي لقائهما الأخير، كان قد اتصل بها وقال لها إنه يرغب في أن يراها حالاً، لأنه قد أعدّ لها مفاجأة. وقد أشار إلى أنه يريد أن يتحدث مع والدها ليطلب يدها منه. فوافقت ميّادة على أن يأخذها ذلك الرفيق من المدرسة، ولتبرير تأخرها عن العودة في الوقت إلى البيت قالت لأمها بأنها تتعلم دروسًا إضافية في المدرسة. أخذها ذلك الرفيق بالسيارة إلى مكان بعيد وحاول أن يغتصبها. إلا أنها نجحت في التخلّص منه ولكنها خافت أن تخبر أحدًا بما حدث لكيلا يعرف أهلها أنها كذبت عليهم وقابلته في السرّ.

تحدثت المستشارة التربوية مع ميّادة عن أفعالها الممنوعة، وشرحت لها كيف أنها تعرّض سمعتها الحسنة، وسمعة عائلتها للخطر كما أنها تضيّع فرصتها وأملها في أن تجد لها زوجًا مناسبا. وفبل أن تنهي المستشارة حديثها أخرجت المصحف الشريف، وفتحته على الآية 235 من سورة البقرة، وطلبت من ميّادة أن تقرأ بصوت مرتفع: "وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا".عقّبت المستشارة قائلة: "أي لا إثم على الرجال فيما يلمحون به من خطبة النساء ولا ذنب فيما يضمرونه في أنفسهم من نية الزواج ولكن احذروا أن تواعدوهن على النكاح سرا بالزنى، ولو أنه أحبّك حقًّا،لكان عليه أن يفعل كما ورد في هذه الآية الكريمة أي أن يدخل البيت من الباب كما يقولون في مثل هذه الحالة". لقد كانت ميّادة مرتبكة ومذهولة. وقد أدركت أن فتى أحلامها الذي وضعت فيه ثقتها قد خانها وباع اسمها النظيف لكي يتباهى بأنه أوقع بها. وطلبت من المستشارة أن تنسخ هذه الآية قائلة: "أنا لا أريد أن أكلّمه بعد اليوم، لكنني أريد، فقط، أن أريه هذه الآية من القرآن الكريم لعله يفهم خطورة ما فعله".

التفسير النفسي: ليس من قبيل الصدفة أن تتصرّف ميّادة بشكل يختلف عن المألوف في محيطها. فالظاهر أن أمرًا ما في داخلها يُضايقها. في كثير من الأحيان تكون البنات اللواتي يتصرّفن على هذا النحو يبحثن بشكل يائس عن حبّ افتقدنه في البيت. فالبنات اللواتي يشعُرْنَ بأنّهنّ منبوذات داخل العائلة، كثيرًا ما يُحاولنَ أن يُثبتنَ لأنفسهّن، ولو بطرق غير مقبولة، أنهنّ مرغوبات وأن الناس يحبّونهنّ. وعليه فإنه من المُحتمل أن يُجسّدنَ خيالاً رومانسيًّا مع شاب يُغريهنّ بالزواج وما شابه ذلك. حسنًا فعلت المستشارة التربوية مع ميّادة إذ بيّنت لها خطورة العمل الذي قامت به، مستعملة من أجل ذلك القرآن الكريم. ولكن من المُمكن، أيضًا، أن تجد المستشارة أنّه من الأنسب لها أن تشرك والديْ ميادة وتطلعهما على مثل هذا العمل الخطير الذي يمسّ العائلة كلّها. ومن المُمكن أن تُقرّر مُعالجة الموضوع بنفسها من دون أن تُطلع عليه عائلة الفتاة. فالأمر متوقف على مدى إحساس المستشارة بالنسبة إلى الوالديْن، إن كانت ترى أنهما يُمكن أن يكونا شريكيْن إيجابييْن لحلّ المشكلة، أم أنهما سيكونان عاملاً مخرّبًا في مسار العملية التربوية. بعد تحديد معايير السلوكيات التي يُمكن تقبّلها، يُمكن للمستشارة أن تتوجّه لتتفهّم الآلام الداخلية لدى ميّادة، وما الذي كان في ماضيها وفي خلفيتها العائلية وأدّى بها إلى هذا السلوك. فبدون وضع حدود واضحة يُمكن أن تحميها فلن تكون قيمة كبيرة للتحقق من مشاعرها الداخلية.