| ماذا نقول للمرأة التي تسيء عائلةُ زوجها معاملتَها ؟ |
| الفصل الثاني |
|
" وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً " (سورة المزّمل، الآية 10) سميرة امرأة طيبة وهي أم لخمسة أولاد. وهي متزوجة منذ عشرين سنة وتعيش مع زوجها وأولادها في سكينة وسعادة. ولكن من يتعمّق في تأمّل عينيها يجد فيهما بريقا حزينا لا يكاد يفارقهما. بحكم كوني مربية صف أحد أولادها طالما تساءلت ما الذي يحزن هذه المرأة؟ جاءني الجواب على سؤالي ذات يوم بطريق الصدفة. لقد تغيّب ابن سميرة عن المدرسة أسبوعا كاملا مما دفعني إلى أن أفكر في زيارة العائلة والاستفسار عن غياب الطالب. في ساعات المساء ذهبت إلى بيت الطالب وعندما وصلت صعدت الدرج وطرقت الباب. فتح لي الولد الباب واستقبلتني سميرة أحسن استقبال، كانت تبتسم ولكن في نظراتها شيء من الأسى والحزن. خلال المحادثة التي تطوّرت بيننا حكت لي سميرة بأنها تعاني جدًا منذ أول يوم من زواجها. عماتها (أخوات زوجها) يضايقنها ويغتبنها ويفترين عليها في كل مناسبة وهي تسمع وتصمت وتسامح. حتى حدثت قبل أسبوع حادثة فظيعة. فقد اتهمتها إحدى أخوات زوجها بأنها وشت إلى الشرطة بأنَّ سلفها (أخا زوجها ) كان متورطا في شجار وقع في بلدتهم قبل أسبوع من الحادثة. وهذه تهمة باطلة لا أصل ولا أساس لها ولكن ذلك لم يمنع سلفها الآخر البكر من بين أولاد عمها من أن يقتحم عليها البيت وأن يطلب من زوجها أن يطلقها. وكل ذلك دون أن يفحص الموضوع أو أن يسألني. " لحسن حظي" قالت سميرة " لم يوافق زوجي على طلبه، وأراد أن يثبت براءتي من هذه التهمة الفظيعة عن طريق سماع المكالمة التي وصلت إلى الشرطة والتعرف على صوت المخبر إذا كان هذا صوتي حقا، كما طلب نسخة من سجل المكالمات الصادرة عن تلفوننا ليثبت بأنه لم تصدر أي مكالمة منه إلى الشرطة. أنا شخصيا، ومهما صدر عنهم ، فلا أفكر ولن أفكر في فعل شيء كهذا لأنّ هذا يتناقض تماما مع أخلاقي ومبادئي التي تربّيت عليها". منذ ذلك اليوم أصيبت سميرة بالكآبة ولم تخرج من البيت لا هي ولا أولادها. وهي تبكي وتنتحب ولا تدري ماذا تفعل. شجعتها ونصحتها بعدم الاهتمام بما يدّعيه إخوة زوجها (أسلافها) وأخواته. وأن تبتعد عن هؤلاء الناس الذين يغارون منها. وفي هذه اللحظة تناولت المصحف الشريف الذي أحمله دائما معي لا يفارقني وقرأت عليها الآية رقم 10 من سورة المزمّل " وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً ". شعرت أن سميرة ارتاحت لهذه الآية الكريمة وازدادت قوة ثم شكرتني ووعدتني أن تعود إلى حياتها الطبيعية وأن يعود ابنها صباح الغد إلى المدرسة. التفسير النفسي: لم يكن حظ سميرة سعيدا مع أهل زوجها. هناك مجتمعات فيها من السهل التخلّص من الأقارب غير المرغوب فيهم وهناك مجتمعات تحكم على الفرد بأنَّ يقضي حياته ليس فقط مع زوجه بل مع أهل زوجه أيضًا مهما كانوا قاسين ومهما ملؤوا حياته بنزاعات لا نهاية لها. هذه هي قصة سميرة. أبناء عمّها (أخوة زوجها وأخواته) يتدخلون في حياتها وينغصون عليها أيامها، ويفترون عليها ويتهمونها بتهم باطلة وحتى يطلبون من زوجها أن يطلقها. هذا الوضع ليس سهلا بأي شكل من الأشكال. في المجتمعات المحافظة والتقليدية ليس من السهل مفارقة الأهل والعيش بعيدًا عنهم لأنه من الطبيعي أن تعيش العائلة معًا قريبين من بعضهم. في المجتمعات الحديثة، بشكل عام، يستبدل الشخص علاقته مع العائلة بعلاقته مع زوجته والتمسك يكون غالبا بالزوج/ة. لقد أحسن زوج سميرة التصرف الذي طالب بأدلة ملموسة على تورط سميرة ولم يكتف بمجرد اتهامات عشوائية لا تستند إلى أي إثبات أو دليل ولم يرضخ للضغوط التي مارسها عليه أخوه وأخواته. ربما كان من الأفضل لو أنّه دافع أيضًا عن زوجته وأوقف أخواته عند حدّهن وحال بينهن وبين مضايقة سميرة زوجته. على كل حال لقد أحسنت المربية التصرف عندما نصحت سميرة بما تنصّ عليه الآية الكريمة : مع أن الآية تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلّم وتطالبه بالصبر على ما يقوله الكافرون فيه وفي دينه وأن يخالفهم في أفعالهم الباطلة وأن يُعرض عنهم وأن يترك الانتقام منهم ولكن المربية حوّلتها إلى مخاطبة سميرة بألا تتخاصم معهن وأن تصبر على أذاهن وأن تتجاهلهن وتهجرهن هجرا جميلا. |